النص الكامل لمحاضرة الفقيه الدكتور الشيخ ولد الامام ولد الزين في ندوة النوازل الفقهية

10. أكتوبر 2020 - 12:18

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على النبي الكريم اشكالات وقضايا من فقه النوازل المعاصرة

لن تكون مداخلتى بحثا اكاديميا لضيق الوقت المخصص . لذلك لن التزم بأدبيات ولوازم ومنهحية البحوث المحكمة . سأكتفى هنا باثارة قضايا واعطى نماذج من النوازل المستجدة

والتى ألزمت على من يحصل درجة الاجتهاد ان يرقى الى مرتبة لم يحصلها لضرورة الناس وحاجتهم للحلول . ولقد احسن الشيخ محمد المامي عندما قال : بقينا وعصر الاجتهادات قد مضى فما الراي ان لم يفت فينا مقلد واما الذى لم يتبع نهج مالك ويتلوه فهو الجاهل المتبلد ينبغى الاقرار فى المبتدأ أن التغير الحاصل فى المجتمعات والذى لا يمكن الوقوف فى وجهه وضع الفقيه المعاصر أمام مهمة جليلة وهي تغطية المستجدات الهائلة بأحكام فقهية، حاله حال القائل القاه فى اليم مكتوفا وقال له اياك اياك ان تبتل بالماء ومن اجل القيام بهذه المهمة وبالنظر الى ان قضايا الاقدمين ومسائلهم لم تعد تسعف الحاضر ابتكر الفقيه المعاصر آلية اجتهادية اصطلح على تسميتها "التأصيل،" وقد سمحت له هذه الالية العبور بين المذاهب ولا يعتبر هذا خروجا عن المذاهب ولا تلفيقا وبحثا عن الرخص بل هو عملية بحث واستكشاف للفروع والمسائل فى المذاهب الفقهية المتداولة بغية التخريج على ما يناسب الواقعة او الاخذ بقياس الشبه ان تعذر التخريج . ذلك لان عجز الفقيه عن استنباط حلول لواقع الناس يناقض صلاحية الشريعة الاسلامية للأزمنة الحديثة وتلاؤمها مع مقتضيات كل عصر .

فالتأصيل الفقهي" مفهوم منهجي يُقصد به البحث عن أصل أو جذر فقهي ملائم لحكم مسألة مستجدة لم ترد في أبواب الفقه وليس لها أصل مباشر فيه، وذلك لبناء حكم شرعي عليه. يمكن – بعبارة أخرى – القول: إن التأصيل الفقهي هو مَوْقَعَة حكم واقعة في إطار نسق الشريعة الإسلامية ومنطقها‫.‬ ويلتبس مصطلح التأصيل بمصطلحات فقهية: فقد يلتبس بمفهوم "التفريع"، والتفريع توليد حكم من أصل، وهو عمل يدخل في باب القياس أو في باب الاجتهاد المذهبي إذا قُصد به "تخريج الفروع على الأصول"، وهو عنوان كتاب فقهي شهير لشهاب الدين الزنجاني الشافعي (ت. 656 هـ). وقد اختصرت كتاب الزنجاني هذا في كتاب اسميته تذييل مختصر الزنجاني . واذا كان الزنجاني قد تحدث عن اصول الخلاف بين الشافعية والحنفية فقد ذيلته باصول وتفريعات مالكية . - قلت و يلتبس مفهوم التاصيل كذلك بمفهوم "التخريج"، والتخريج توليد حكم في مسألة؛ أو هو الحاق أصحاب المجتهد مسألة لم ينص عليها بمسألة نص عليها لان لازم المذهب يعد مذهبا والأصل عدم الفارق . قال سيدي عبد الله بن الحاج ابراهيم فى مراقي السعود.: وقول من قلد عالما لقي الله سالما فغير مطلق ان لم يكن لنحو مالك الف قول بذى وفى نظيرها عرف فذاك قوله بها المخرج وقيل عزوه اليه حرج وفى انتسابه إليه مطلقا خلف مضى اليه من قد سبقا وفي حالتي التفريع والتخريج يكون الأصل معروفًا والعملية لا تعدو إلحاق الفرع بأصله الفقهي المعروف ثم بناء الحكم عليه‫.‬

وبالجملة، فإن الفقه التقليدي كان يشتغل دائمًا من داخل النسق المذهبي أصولاً وفروعاً، في حين أن التأصيل هو فقه عابر للمذاهب ليس ذلك تتبعا للرخص كما ذكرنا من قبل ولكنه بحثا عن حلول ومخارج للمكلفين . وكما قال الشيخ محمد المامي وللنوازل احوال وازمنة تنوعت مثل الاحوال الأزامين

وكان العلامة الشيخ محمد المامي قد فطن الي الاشكال الزمكاني للفتوى

وأحكام باد غير أحكام حاضر فذكر الضعيف والشهير تسامح وأهل البوادي لم يولف عليهم مسائل قبل التلميات كواشح . الى ان يقول وإن للبدو أحكاما تخصهم مثل الألاء بها خص البساتين ونجل شعبان واليوسي قد سكتا عن أول سكتت عنه المدايين والقيروان له بدو وحاضرة يا فخر بادية منها الشعابين والشعابين هما نجل شعبان واليوسي كما فطن لنفس الإشكال النابغة القلاوي عندما قال واحذر جمودك على ما فى الكتب فيما جرى عرف به بل منه تب لانه الضلال والاضلال وقد خلت من اهلها الاطلال ولعل اكثر هذه الواقعات لم ترد في مدونات المذاهب الفقهية عموما مما يحتم علي الفقيه النظر في مقاصد الشريعة واستقراء الادلة الكلية من اجل استنباط ما يناسب الواقعة . إن تغير نظام الحياة تغيرا بينا ،أوجب على الفقيه المعاصر أن يكافح ليغطي كل المستجدات بأحكام فقهية تجمع بين روح الشريعة ومبادئها ونسقها المنطقي وبين التعاطي الإيجابي مع العصر والانخراط فيه؛ لأنه من دون ذلك سيكرس انعزالية الشريعة وتهميشها عن الحياة العامة، أي تكريس الموقع الذي فرضته عليها الدولة الحديثة. ان الدولة الحديثة والحضارة المعاصرة انتجت ادوات للتبادل التجاري والاقتصادي مغاير بالكلية للنسق الذي،اعتادت عليه البشرية منذ ازمان سحيقة . فالعقود تغيرت مسمياتها وشروطها وعلامات الرضا والحوز تغيرت كثيرا . ومن تلك الواقعات والعقود المستجدة المتداولة

1- عقد الإيجار المنتهي بالتمليك

هذا أحد الأمثلة المهمة البارزة للتأصيل في الفقه الإسلامي الحديث، وهو عقد يتم بموجبه "تمليك منفعة من عين معلومة مدة معلومة، يتبعه تمليك العين خلال مدة الإجارة أو في نهايتها" ويعد واحداً من أشهر طرق التمويل المعاصرة . وقد أولت البنوك الإسلامية هذا النوع من العقود اهتمامًا خاصاً لتنشيط استثماراتها ومنافستها . ولهذا العقد صور أساسية منها :

-الإجارة المنتهية بالتمليك بصيغة الهبة المشروطة (الملزمة)‫.‬ - الإجارة المنتهية بوعد ملزم بالبيع‫.‬ يصاغ العقد على أساس عقد إجارة حقيقي مقابل أجرة معلومة، في مدة معلومة، واقترن به عقد بيع بخيار الشرط لصالح المؤجر، ويكون مؤجلاً إلى أجل محدد( هو آخر مدة عقد الإيجار)‫.‬

لقد تم تكييف أو تأصيل هذا العقد فقهياً من خلال تحديد طبيعته ضمن العقود المسماة في الشريعة، على أنه عقد بيع؛ " نظراً إلى المآل والقصد"، وإن أخذ "صورة إيجار ابتداءً وبيع بعد ذلك ، فـ"العبرة في المقاصد والمعاني لا في الألفاظ والمباني" كما تقول القاعدة الفقهية الشهيرة .

يجيز بعض الفقهاء المعاصرين هذا العقد على العموم دون تحفظ ، ويتحفظ فقهاء آخرون على بعض صوره ، وخصوصاً عند جمع عقدين في عقد واحد . لورود النهي عن ذلك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال( نهىرسول الله صلى الله عليه وسلمرعن صفقتين فى صفقة واحدة ) رواه الترمذي وهذا هو مذهب مالك قال العلامة عبد الله بن الحاج حمى الله القلاوى وبيعتين امنع ببيعة وذا ان تشترى سلعته متخذا بخمسة نقدا او اكثر الى وقت وقد لزمه ومثلا وثمة إشكال آخر وهو أن الأقساط التي تُدفع تختلط فيها القيمة الإيجارية مع قسط ثمن المبيع، مما يثبت للمستأجر/المشتري حقين متناقضين: ملكية وحق المنفعة . غير ان الفقهاء أوجدوا مخارج لهذا الانسداد الشرعي، وبحثوا عن حلول بديلة تحقق الغرض نفسه، أي تتيح للفقيه الحكم بجواز العقد، وتتلخص في الآتي:

صياغة عقد بيع يشترط فيه عدم تصرف المشتري في السلعة المباعة إلا بعد سداد جميع الثمن‫.‬ النص على وجود عقد جديد تنتقل بواسطته ملكية السلعة إلى المستأجر بغض النظر عن طبيعته هبة كان أم بيعاً‫.‬ اعتبار ما يُدفع من أقساط ثمنًا للسلعة. فإذا وفى المشتري بالتزاماته أصبح له حق التصرف فيها، وإلا كان للبائع أخذ السلعة منه، وخصم القيمة الإيجارية الحقيقية من الأقساط المدفوعة، مع إضافة تعويض ملائم عن الأضرار التي لحقت بالبائع نتيجة هذا الإخلال كشرط جزائي‫.‬

2- التأمين التجاري

نشأ خلاف واسع بين الفقهاء المعاصرين حول عقد التأمين ‫(assurance)‬ عموماً، وحول التأمين التجاري بشكل أخص. فهذا النوع من العقود لم يسبق أن واجهه الفقهاء القدماء . ولقد قال لي العلامة حمدا ولد التاه يوما انه قال له احد المستثمرين فى التامين ياشيخ ابحث لنا عن حل نكون به غير منتهكين للحرام ومع ذلك نريد ان نربح. ..!!

وجوهر عقد التأمين: التزام بدفع مبالغ مالية محددة لفترة زمنية (محددة أو مفتوحة) مقابل التزام بتقديم تعويضات مالية مناسبة في حال حدوث ضرر ما موصوف في نص العقد المبرم لهذا الغرض. ويشمل ذلك ثلاثة أنواع رئيسة: التأمين على الأشياء من مختلف الأخطار، التأمين من المسؤولية، والتأمين على الحياة‫.‬

ويتضمن التأمين عنصرين مجهولين غير مُحدَّدين: الضرر المحتمل، والزمن (في حالة التأمين المعلق بشرط الوفاة)، إضافة إلى هذين العنصرين ثمة التباس في طبيعة العقد هل هو مجرد وعد أو معاوضة تقوم على تبادل محدد. وهذا ما جعل الخلاف حاصلا فى مدى مشروعيته ومع ذلك ينظر بعض الفقهاء إلى الأسس والغايات التي يهدف لها، والتي تتلخص في "تحقيق التضامن بين جماعة من الناس تتهددها مخاطر [ذات طبيعة] واحدة"، وتجزئة أضرار المصائب على أكبر عدد ممكن منهم. وهذا :) أمر ينسجم مع المقاصد الاجتماعية للشريعة، وانطلاقاً من ذلك ينظر إليه على أنه عقد معاوضة جديد لا يندرج في أي من العقود المسماة، ولا ينبغي أن يندرج فيها. كل ما في الأمر أن قواعد الالتزام والتعاقد في الشريعة يجب أن تتوفر فيه . وينحصر النقاش فيما إذا كان يتضمن العقد الجديد ما ينافي الشريعة ومقاصدها والقواعد الفقهيه التي لا خلاف فيها بين فقهاء المذاهب الأربعة‫.‬

يتمحور النقاش حول الغبن والغرر الناشئين في العقد بسبب جهل الزمن أو جهل الضرر. وكما هو معروف في الشريعة فإن الغبن البين يمنع من صحة الانعقاد ويؤدي إلى البطلان أو الفساد في أحسن الأحوال. ويذهب هؤلاء الفقهاء إلى القول: إن هدف العقد ومقصده الأمان وتحقيق أكبر قدر من الاستقرار الاجتماعي وهو مناقض لصور الغبن في القمار والرهان؛ فكلاهما يؤديان إلى المنازعة وانعدام الأمان وتهديد الحياة الاجتماعية، ولأن مناط تحريم الغبن ناشئ من مؤداه إلى المنازعة؛ فإن المناط هنا غير متحقق مما يحول دون سحب الحكم نفسه على عقد الضمان‫.‬

و تقود هذه المقاربة الفقهاء إلى البحث عن مقاصد بيع الغرر، وحدود الغرر المسموح به في الشريعة؛ إذ لا يخلو عقد من العقود منه. فلا يوجد عقد ليس فيه قدر من المغامرة والاحتمالية، والعنصر الضابط في الموضوع هو المآل، أي أن لا يؤدي الغرر عموماً إلى التنازع ونقض مبادئ الشريعة وأصولها العامة أو يتعارض مع هدف العقد نفسه، . وإذ يدرك الفقهاء أن التأمين صار يحكم حياة الإنسان الحديث، وأنه من غير الممكن تجاوز نظام التأمين دون إيجاد بدائل، فقد تم ابتكار بديل هو "التأمين التكافلي" أو "التعاوني"؛ وهو ما بات يعرف بـ"التأمين الإسلامي"، وهو في أساسه "عقد تبرع."

3 - فقه كورونا وقد طرح وباء كورونا قضايا كثيرة كالجمعة والجماعة وقد حضرنا مؤتمرا علماء بتقنية الفيديو حول فقه اموات كورونا

و كان من الأسئلة االواقعية والمحرجة والمؤثرة انسانيا ما هو الواجب على أولياء اموات مسلمين فى بلدان توجب حرق الأموات بسبب هذا المرض ما ذا يمكنهم فعله ؟ ما ذا لو امتنع أقوام عن دفن الميت فى المقبرة؟ هل يجوز الدفن دون تكفين اذا خيفت العدوى من ملامسته؟ لكثرة الموتى قد يضطرون لدفن الموتى فى قبور جماعية وقد يشتبه ويختلط المسلم بغيره ؟ وقد يدفن الجمع الكثير وفيهم رجال ونساء ؟ هذه أسئلة ضمن أخرى كثيرة يطرحها زمن كورونا

4- .ومن تلك الاشكالات الحاصلة قضايا الديون المصرفية فحبس العميل وعقوبته البدنية لا يؤدي الي جبر الضرر الحاصل عند المصرف من عدم التزام العميل بالعقد ومن المعروف ان عدم وفاء بعض الزبناء مطل غني وسوء قصد ورغبة في الاضرار ومن المعروف ان المصارف ليست هيئات خيرية ولكنها مؤسسات مالية لها دور كبير في الاقتصادات الوطنية بالنظر لذلك فقد افتى معاصرون بجواز عقوبة مالية يضعها البنك لكنها تحول الى مؤسسة خيرية لا ينتفع منها البنك

و يمكن الاعتراض علي هذا من حيث انه ليس كل عميل سيئ النية وذا كان عدم التزامه عن اعسار فلا تجوز عقوبته . والجواب علي هذا الاعتراض هو الاخذ بقياس الشبه وهو اعتبار عملاء المصارف محمولون علي الملاء حتي يثبتوا العكس كما هو حال فى وجوب النفقة على الوالدين قال خليل في باب النفقة. ( وأثبتا العدم) جاء في منح الجليل للحطاب : ( وأثبتا ) أي الوالدان ( العدم ) بضم فسكون أي فقرهما بعدلين إن أنكره الولد ( لا بيمين ) منهما . حينها يكون علي المعسر اثبات اعساره وان عدم التزامه لم يكن عن مطل وسوء قصد. ويكون الاثبات بما تثبت به البينات .. 5- .ومن تلك القضايا المطروحة ايضا ما يسمى بالكيص او الصندوق التعاوني، وتصوير المسالة ان يتفق خمسة اشخاص مثلا على ان ياتى كل واحد منهم بالف وياخذ الاول منهم الخمسة بتراض او بقرعة ثم يفعلون ذلك كل مرة . والتصور الشائع عند الفقهاء فى بلدنا انه من باب سلف يجر نفعا غير انه يعكر على هذا التصور ان الاول لم يقرض احدا منهم والاخير لم يقرضه احدا منهم والثانى والثالث والرابع فكل واحد منهم مقترض ممن بعده مقتض ممن قبله . وهذا ما يجعل التصور الشائع غير مسلم واذا بطل التصور بطل التصديق هذا والله اعلم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام انواكشوط 7 اكتوبر 2020

تابعونا