موسكو: لؤلؤة أوراسيا، وعبق التاريخ، ووجهة إفريقيا / أحمد طالب المعلوم

27. أكتوبر 2026 - 9:00

تتجه الأنظار، وتشرئب الأعناق من مختلف أنحاء العالم، صوب لؤلؤة أوراسيا، العاصمة الروسية موسكو، حيث تدور هذه الأيام حركة دؤوبة، وتتواصل الاستعدادات على قدم وساق لرسم ملامح استحقاق روسي إفريقي جديد، يُرتقب أن يشكّل محطة فارقة في المسار التاريخي للعلاقات بين روسيا الاتحادية والدول الإفريقية.
ومع انعقاد نسخة عام 2026 من اللقاء الروسي الإفريقي، تتجلى ملامح إرادة روسية جادة لتعزيز أواصر التعاون مع القارة الإفريقية، وتترسخ معالم هذا التوجه أكثر فأكثر، بالتزامن مع تقاطر الوفود من مختلف البلدان الإفريقية، تتقدمها الفرق الصحفية والإعلامية، التي تحمل معها أسئلة متعددة ومتباينة، استقتها من نبض الشارع الإفريقي، ونقلتها عن مواطني دول القارة، بما تعكسه من تطلعات وآمال، وما تطرحه من انشغالات وتحديات تتصل بمستقبل العلاقات بين الجانبين.
وفي إطار جولة إعلامية منظمة، تتنقل الفرق الصحفية بين عدد من المحطات والمعالم، لاستكشاف المرتكزات التي قامت عليها تجربة بناء الدولة الروسية الحديثة، والاطلاع على مظاهر تطورها في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية والسياسية. كما تتيح هذه الجولة فرصة للتعرف عن كثب على التجربة الروسية، واستجلاء ما يمكن أن توفره الشراكة بين الجانبين من فرص ملموسة لدعم التنمية وتعزيز مسارات التقدم في القارة الإفريقية، فضلًا عن استلهام التجارب الروسية الناجحة في المجالات العلمية والتكنولوجية، وتوظيفها في تطوير قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطن الإفريقي، بدءًا من تعزيز السيادة الغذائية، وصولًا إلى نقل المعارف التقنية والتكنولوجية، والاستفادة من مقومات التقدم والابتكار.
إن تطلعات الساسة الروس والقادة الأفارقة، وفقًا لما تعكسه تصريحات المسؤولين ومواقفهم المعلنة في هذا السياق، هي ترجمة القرارات والتفاهمات، التي تمت صياغتها في اللقاءات بين الطرفين، إلى أفعال ملموسة، واستثمار ما تتيحه آفاق التعاون الجاد من فرص لإعادة صياغة العلاقات الروسية الإفريقية على أسس أكثر واقعية وفاعلية، بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الراهنة والتحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، بعيدا عن نموذج اللقاءات والاجتماعات البروتوكولية التقليدية، التي دوما ماتنفض دون نتائج ملموسة، ولا تخلف في كثير من الأحيان سوى الخطابات الرسمية والبيانات الختامية.
وفي هذا الإطار، يسعى الساسة الروس إلى رسم مسارات حقيقية وجادة للتعاون مع دول إفريقيا، في مجالات عديدة كالاقتصاد والتعليم والصحة والطاقة والتكنولوجيا والزراعة والأمن الغذائي والتبادل الثقافي، بما يعزز المصالح المشتركة، ويؤسس لشراكة قادرة على الاستجابة لأولويات التنمية، وتحقيق نتائج ملموسة تتجاوز حدود التفاهمات السياسية إلى فضاء الإنجاز العملي.
ويبرز في صدارة المشهد اليوم، استحقاقان رئيسيان يترقب الشارع الإفريقي ما ستسفر عنهما من نتائج ومخرجات: القمة الروسية الإفريقية الثالثة، والمنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي الإفريقي، اللذان يلتئمان في العاصمة الروسية موسكو يومي 28 و29 أكتوبر الجاري.
ويشكّل هذا الحدث الدولي فرصة متجددة لفتح آفاق أرحب للحوار بين القادة الروس ونظرائهم الأفارقة، وتبادل الرؤى بشأن مستقبل العلاقات بين الجانبين، واستكشاف السبل الكفيلة بتحويل هذه المناسبة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من التعاون، تستجيب لطموحات الشعوب الإفريقية وتواكب تطلعاتها إلى مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.
فالرهان، بالنسبة لهم، لا يكمن في انعقاد القمم وتبادل الخطابات فحسب، بل في القدرة على تحويل مخرجاتها إلى مشروعات عملية، وشراكات متوازنة وواقعية، تقوم على أسس علمية واضحة، وتعاون اقتصادي مثمر، وتبادل إنساني وثقافي بنّاء. وهي شراكة يُنتظر أن تفتح أمام القارة الإفريقية آفاقًا أرحب للتنمية والتقدم، وأن تمنح العلاقات الروسية الإفريقية مزيدًا من التوازن والفاعلية والاستدامة.
فالعلاقات التي تصمد أمام التحولات الدولية وتحديات الزمن ، تلك التي تستند إلى المصالح المتبادلة، وتترجم الاتفاقيات إلى إنجازات، وتُحدث أثرًا ملموسًا في حياة الشعوب.
ومن هنا، تبرز أهمية هذا الاستحقاق الروسي الإفريقي بوصفه فرصة لنقل العلاقات بين الجانبين من مستوى الطموحات والتفاهمات إلى فضاء الشراكة الفعلية، بما يؤسس لمستقبل أكثر توازنًا وازدهارًا للطرفين.

نقيب الصحفيين الموريتانيين السابق / أحمد طالب المعلوم

إعلانات