
تخيّل أن تقول عن شخصٍ ما: «إنه مُبْتَزّ»، فيتساءل السامع: هل هو الذي يبتز الناس، أم هو الذي يتعرض للابتزاز؟
المفارقة أن الإجابة قد تكون: لا أعرف!
فالكلمة نفسها، بحروفها وحركاتها وصورتها الصرفية، يمكن أن تدل على الفاعل وعلى المفعول به في آن واحد. ولا تستطيع الكلمة وحدها أن تخبرنا: من فعل؟ ومن فُعِل به؟
هنا تبدأ واحدة من أطرف المفارقات في العربية.
فكلمة «مُبْتَزّ» قد تكون اسم فاعل، أي الذي يقوم بالابتزاز، وقد تكون اسم مفعول، أي الذي وقع عليه الابتزاز. ولا يحسم الفرق بين المعنيين شكل الكلمة لا حروفها ولا حركاتها، وإنما يحسمه السياق.
فالفعل «ابْتَزَّ» فعل متعدٍّ خماسي مزيد بحرفين على وزن «افْتَعَلَ»، وأصله من الجذر الثلاثي «ب-ز-ز».
والفعل «بَزَّ» هو فعل متعدّ مجردٌ ثلاثي صحيح مضعّف يأتي، بحسب السياق، بمعنى سلب وانتزع وأخذ قهرا؛ فنقول: بَزَّ اللصُّ الرجلَ ثوبَه، أي سلبه إياه وانتزعه منه، ونقول: بَزَّ الوزيرُ الشعبَ حقَّه، إذا انتزعه منه وسلبه إياه.
ويأتي بَزَّ أيضا بمعنى فاق وسبق وغلب، فنقول: فاق العمدةُ الحاكمَ في الفساد وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا الوالي بَزَّ أقرانَه في الاستيلاء على الساحات العمومية.
ثم جاء فعل «ابْتَزَّ»، فاحتفظ بأصل معنى السلب والانتزاع، مع تطور وتخصيص دلالي استقر به في الاستعمال الحديث، ولا سيما في معنى الضغط والإكراه للحصول على منفعة أو مصلحة، أو حتى «مفسدة»، غير مشروعة.
فنقول: ابْتَزَّ الشرطيُّ سائقَ سيارة الأجرة، وابْتَزَّ المديرُ سكرتيرتَه، وابْتَزَّ ربُّ العمل الفتاةَ التي جاءت تبحث عن عمل، وابْتَزَّ عاملُ شركة الكهرباء سكانَ الحي.
ويمكن أن يقال: ابْتَزَّت السلطاتُ معارضين بقطع أرزاقهم، أو ابْتَزَّ النظامُ موظفين بفرضهم على خدمته سياسيا، إذا كان المقصود وصف الضغط أو الإكراه الذي يُمارَس عليهم.
فالمعنى واحد في جوهره: شخص يملك القوة أو وسيلة التهديد، وشخص آخر يدفع لكي يتجنب ضررا محتملا.
لكن المفارقة تصبح أكثر إثارة حين نعود إلى كلمة «مُبْتَزّ».
فمن هو المُبْتَزّ؟
قد يكون المُبْتَزُّ هو الذي يَبتز.
وقد يكون المُبْتَزُّ هو الذي يُبتز.
خذ مثلا هذه الجملة:
ابْتَزَّت البشمركةُ المسؤولَ الفاسدَ.
فالمسؤول، من جهة كونه مفعولا به لفعل ابْتَزَّ، فهو مُبْتَزّ، والبشمركي الذي مارس عليه الابتزاز هو مُبْتَزّ أيضا، من جهة كونه اسم فاعل.
والأغرب أن المسؤول نفسه قد يكون، في جملة أخرى، مُبْتَزا لموظفيه وموظفاته أو لرواد المرفق الذي يديره؛ فيصبح اللفظ الواحد صالحا لأن يصفه من جهتين.
وليس معنى ذلك أن وزن «افْتَعَلَ» يضيف دائما معنى واحدا ثابتا إلى كل فعل؛ فالعربية أوسع من أن تُحبس في قاعدة ميكانيكية كهذه. وإنما تتطور دلالات الأفعال مع الاستعمال، حتى تستقر بعض الصيغ في معانٍ مخصوصة.
لكن «مُبْتَزّ» ليست حالة معزولة في العربية.
ولا يختص ابْتَزَّ بهذه الخاصية وحده، فهناك أفعال أخرى يتساوى فيها لفظ اسم الفاعل واسم المفعول، مثل اغتاب، وارتاد، واختار، واجتاز، واحتلّ، واعتاد وغيرها.
فنقول:
يَغْتابُ الوزيرُ رئيسَه عندما ينزوي مع خاصته.
فهنا الوزيرُ مُغْتابٌ والرئيسُ مُغْتابٌ؛ ف«مُغْتاب» قد يكون الذي اغتاب، وقد يكون الذي وقع عليه الاغتياب، بحسب السياق.
فالوزير اسم فاعل، والرئيس اسم مفعول، لكن اللفظ واحد.
ونقول:
اختار فلانٌ فلانا لخلافته؛ فالأول مُخْتارٌ والثاني مُخْتارٌ، رغم أن الأول هو الفاعل والثاني هو المفعول به، وإن تشابها في التسمية؛ ف«مُخْتار» قد يكون الذي اختار، وقد يكون الذي اختير رغم تساوي تسميتهما.
وقد يقال: ارتاد الرجل مكانا لا يناسب مكانته؛ ف«مُرْتاد» قد يكون الذي يرتاد المكان، وقد يوصف به المكان باعتبار أنه مُرْتاد، أي مكان يُرتاد من طرف البعض ويقصده بعض الناس، وغير مناسب لبعضها الآخر.
ونقول: اعتاد المسؤولُ القيامَ بتلك الأفعال غير المناسبة لمقامه؛ فاسم الفاعل من «اعتاد» هو «مُعْتاد»، وكذلك يأتي اسم المفعول على الصورة نفسها، فالمسؤول مُعْتاد، والقيام بتلك الأفعال مُعْتاد.
ونقول: احتلّت زوجةُ الوزير تلك الأرض؛ فالزوجةُ مُحْتَلّةٌ، والأرضُ مُحْتَلّةٌ؛ فالفرق بين اسم الفاعل واسم المفعول هنا لا يُستخرج من اللفظ وحده، وإنما يُفهم من السياق؛ فهل زوجة الوزير هي التي احتلت الأرضَ؟ أم الأرضُ هي التي احتلت زوجة الوزير؟،
وكذلك إذا قلنا: تجتاز الدولُ المتقدمة أزماتها بسهولة؛ فالدولُ المتقدمة مُجتازة، وأزماتها مُجتازة؛ فالدول المتقدمة هي التي تجتاز أزماتها، والأزمات هي التي وقع عليها الاجتياز، وكلاهما مجتازة؛ ف«مُجْتاز» قد يكون الذي اجتاز، وقد يأتي في سياق يدل على ما تم اجتيازه، والعكس صحيح.
وهكذا تبدو العربية وكأنها تقول لنا: لا تحكموا من الاسم وحده؛ انظروا إلى الفعل، ومن أُسنِد إليه، ومن وقع عليه، وأين ومتى وكيف ولماذا وقع؟.
أما «انحاز» و«اشتاق» فلهما قصة أخرى.
إذا قلنا: اشتاق الأب لابنه الجديد؛ ففعل «اشتاق» فعل لازم، ويتعدى ب«إلى»، ويُستعمل أيضا مع اللام في بعض الاستعمالات، وبالتالي ليس له اسم مفعول.
ونقول: انحاز المسؤولُ لأهل جهته، أو انحاز القاضي إلى صاحب النفوذ.
فهما يشتركان في الفعل، لكنهما لا يشتركان في لفظ اسم الفاعل واسم المفعول؛ لأن «انحاز» فعل لازم في هذا الاستعمال، لا يتطلب مفعولا به مباشرا، وإنما يتعدى بحرف الجر.
ولعل هذه المفارقة العربية تزداد جمالا حين نقارنها بما حدث في لغات أخرى؛ فالمعنى نفسه يمكن أن يسلك في لغة أخرى طريقا اشتقاقيا مختلفا تماما ويدور ويدور ثم يقع فوق معنى آخر كما يقع القابس على المقبس.
وفي اللغة الفرنسية التي هي لغة موسيقية جميلة له مقابل هو chantage، من الفعل chanter الذي يعني «غنّى»، وهو مثال جميل على اختلاف اللغات في الطريق الذي تسلكه للوصول إلى المعنى نفسه.
ففي الفرنسية تطور التعبير faire chanter quelqu’un من معنى مرتبط بإجبار شخص على الكلام والاعتراف تحت الضغط؛ وتوثق المصادر الفرنسية استعمال faire chanter سنة 1640 بمعنى انتزاع الاعتراف من شخص تحت التعذيب، ثم ظهر سنة 1674 استعمال chanter بمعنى الرضوخ للضغط، ثم استُعملت faire chanter سنة 1808 في معنى انتزاع المال بالحيلة أو القوة. ومن هذا التعبير نشأ الاسم chantage باللاحقة -age، وهو موثق منذ القرن التاسع عشر.
تماما كما نجد في الحسانية الحديثة تعبيرات مجازية قريبة في الصورة، مثل:
«فلان بات البارح يغني من درصو.»
أي بات يصرخ بسبب ألم ضرسه.
وكذلك بعض التعبيرات الشعبية: «الشرطة دهنت المعلمين والأطباء»، و« جندر مصمصو لعليات المتظاهرات »؛ أي ضربوهم ضربا مبرحا.
أما الإنجليزية فسلكت طريقا مختلفا تماما؛ فكلمة blackmail لا علاقة لاشتقاقها بالغناء، بل تتكون تاريخيا من black التي تعني بالإنجليزية «أسود» و«شرير» و«غير مشروع»، وmail بالمعنى الاسكتلندي القديم للإتاوة أو الخراج، وليس mail بمعنى البريد في الإنجليزية؛ إذ كانت الكلمة في القرن السادس عشر تُطلق على الأموال التي يدفعها المزارعون لزعماء العصابات مقابل الحماية من النهب، ومن المؤكد أن ذلك كان يحدث بشكل أكثر تنظيما واحتراما مما كان قد رواه الحسن بن الوزان، المعروف بليون الإفريقي، في رائعة الكاتب اللبناني الفرنسي الكبير أمين معلوف، عن أحوال السفر والقوافل والحياة في بلاد البيظان وما كان يحيط بها من أخطار وضرائب وإتاوات فوضوية وغير منظمة وحسابات لحماية قافلته التي انطلقت من فاس صوب تمبكتو، وكانت تدفع الإتاوات للقبائل البيظانية، وعندما تبتعد عنهم يغيرون على مؤخرتها ويأخذون منها شيئا آخر من حمولتها، ثم يبلّغون سرا أحلافهم من القبائل ليعترضوا هم الآخرون طريقها ويفعلوا معها الشيء نفسه، مما كان أحد أسباب تجنب القوافل للمرور بذلك المنكبي البرزخي البائس وهو ما زاده فقرا وقفرا.
ثم اتسع المعنى الانجليزي للكلمة في القرن التاسع عشر ليشمل الابتزاز بالتهديد، ولا سيما التهديد بالفضح.
وهكذا نجد أن اللغات الثلاث سلكت ثلاثة طرق مختلفة إلى معنى متقارب؛ فالعربية جعلت مركز الصورة الانتزاع والسلب تحت الضغط، والفرنسية ذات النزعة الموسيقية بنتها على تطور معنى الغناء إلى إجبار الشخص على الكلام ثم إخضاعه للضغط، والإنجليزية على صورة الإتاوة المفروضة في مقابل الحماية ثم التهديد والابتزاز.
وهذا الاختلاف في الطريق الذي تسلكه اللغات إلى المعنى لا يقتصر على كلمة «الابتزاز»؛ فقد تلتقي اللغات أحيانا في لفظ واحد، بينما تختلف دلالاته باختلاف المجال والسياق.
فـ«الدالة» في الرياضيات، التي تسمى في بعض المناهج العربية «التابع» و«الاقتران» و«التطبيق»، وهي العلاقة التي تنقل عناصر مجموعة المنطلق إلى عناصر مجموعة المستقر، تسمى fonction بالفرنسية، وهي الكلمة التي تعني في الاستعمال الفرنسي العام «الوظيفة» و«المهمة» و«الدور» بغض عن كونها مشرّفة أم لا. وتسمى بالإنجليزية function، وهي تعني في الرياضيات «الدالة»، بينما تعني في الإدارة والحياة العامة «الوظيفة» أو «الدور» أو «المهمة».
أما في علوم البرمجة، فاستعمال function يحمل معنى قريبا من معناها الرياضي؛ فهي مجموعة من التعليمات تؤدي وظيفة محددة، أي تحدد ما الذي يحدث للمدخلات وما الذي ينتج عنها من مخرجات، وهذا ينطبق على التطبيقات المالية كبنكيلي ومصرفي وغيرها.
وهكذا نعود مرة أخرى إلى الفكرة نفسها التي بدأت بها حكاية «مُبْتَزّ»: الكلمة لا تعيش وحدها، وإنما يحدد السياق وظيفتها ومعناها. فقد تتشابه الألفاظ، وقد تتطابق في لغات مختلفة، لكن المعنى الذي تحمله يتحدد بما أُسند إليها، وبالمجال الذي استُعملت فيه، وبالسياق الذي جاءت فيه.
ولنعد، إذن، مرة أخرى إلى «فلان مُبْتَزّ».
فلا يكفي هذا اللفظ، كما أسلفنا، وحده لمعرفة أيهما هو؟ أهو مُبْتَزٌّ يبتز الناس، أم مُبْتَزٌّ يُمارَس عليه الابتزاز؟
وهنا تكون العربية قد تركت الحكم للسياق.
والسياق، في السياسة كما في النحو، قد يكون أحيانا أكثر أهمية من الكلمة نفسها.
قد تتشابه الصيغ.
قد تتطابق الكلمات.
وقد يلتبس اسم الفاعل باسم المفعول.
لكن الوقائع، مهما اختلطت الألفاظ حولها، تظل بحاجة إلى أسئلة واضحة:
من فعل؟
ومن فُعِل به؟
من دفع؟
ومن قبض؟
من اختار؟
ومن اختير؟
من ابتز؟
ومن وقع عليه الابتزاز؟ ولما قبل بذلك؟
وهذه هي المفارقة التي تجعل النحو أحيانا أعمق من النحو نفسه؛ ففي اللغة، قد يتساوى اسم الفاعل واسم المفعول في كلمة واحدة؛ أما في الواقع، فلا بد في النهاية من أن نعرف من فعل، ومن فُعِل به، ومن دفع، ومن قبض، ومن اختار، ومن اختير.
وفي قواعد الخبر الصحفي، تُطرح الأسئلة الأساسية الستة؛ من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ لماذا؟ وكيف؟ وهي ما يُعرف في الصحافة بـ 5W + H. ولا يعني ذلك أن كل خبر يجب أن يجيب عنها جميعا بالقدر نفسه أو أن يوردها كلها في بدايته؛ وإنما ينبغي أن يُبحث عنها.
فالحركات قد تتشابه، والألفاظ قد تلتبس، والصيغ قد تتساوى؛ أما المسؤوليات فلا ينبغي أن تتساوى لمجرد أن اللغة سوّت بين الصيغ.




