هل آن الأوان لإعادة قراءة ملف العلاقات الخارجية بعيدًا عن الشعارات؟/محمد المختار محمد لفظيل

11. يوليو 2026 - 14:55

في السياسة، لا تُدار العلاقات بين الدول بالعواطف ولا بردود الفعل، وإنما تُبنى على حسابات المصالح الوطنية، وموازين القوة، وما يحقق الأمن والاستقرار والتنمية للشعوب.
لقد عرفت موريتانيا في مرحلة من تاريخها، خلال حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وصلت إلى مستوى تبادل السفراء وافتتاح سفارة إسرائيلية في نواكشوط. وبغض النظر عن اختلاف المواقف من تلك المرحلة، فإنها كانت خيارًا سياسيًا اتخذته الدولة آنذاك ضمن رؤية لسياستها الخارجية وانفتاحها الدولي.
لاحقًا، تغير هذا التوجه، وقُطعت العلاقات وأُغلقت السفارة، لتدخل البلاد مرحلة مختلفة في سياستها الخارجية. ومنذ ذلك الحين، ظل هذا الملف حاضرًا في الجدل السياسي، بين من يراه قرارًا منسجمًا مع الموقف الداعم للقضية الفلسطينية، ومن يعتقد أن موريتانيا فقدت في المقابل فرصًا للتعاون الاقتصادي والتقني والاستثماري، إلى جانب تراجع بعض أوجه الانفتاح الدولي.
اليوم، وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، لم يعد من المنطقي أن يُمنع النقاش في مثل هذه القضايا أو أن يُواجه أصحابه بالتخوين. فالكثير من الدول العربية والإسلامية، بما فيها دول خليجية وتركيا، تقيم بدرجات مختلفة علاقات أو قنوات تواصل مع إسرائيل، ولم يمنعها ذلك من إعلان دعمها للقضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.
إن دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والتمسك بحل عادل وفق القانون الدولي، لا يمنع في حد ذاته من أن تناقش كل دولة خياراتها الخارجية وفق ما تراه محققًا لمصالحها الوطنية وسيادتها.
وربما يكون من الحكمة اليوم إعادة تقييم بعض الخيارات السابقة بعقل بارد، بعيدًا عن الانفعال والأحكام المسبقة، والسؤال: هل تخدم السياسة الحالية مصالح موريتانيا بأفضل صورة؟ وهل توجد خيارات أخرى يمكن أن تعزز الاستثمار، وتنقل التكنولوجيا، وتوسع الشراكات الاقتصادية، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية ومواقف الدولة المعلنة؟
إن مراجعة السياسات ليست اعترافًا بالخطأ، بل هي سمة الدول التي تتكيف مع المتغيرات وتحسن قراءة المستقبل. وموريتانيا، وهي تبحث عن مزيد من الاستثمار، وفرص العمل، والتكنولوجيا، والشراكات الدولية، تحتاج إلى سياسة خارجية مرنة، مستقلة، ومتوازنة، يكون معيارها الأول والأخير هو المصلحة الوطنية العليا، دون التفريط في مبادئها أو التزاماتها الدولية.
فالأوطان تُبنى بالحكمة، لا بالشعارات، وبالقرارات التي تصنع المستقبل، لا بالمواقف التي تُرضي اللحظة.

محمد المختار محمد لفظيل

إعلانات