سياسة الهدم وغياب البدائل ...

20. أبريل 2026 - 5:48

في مشهد من الاستهتار والاستخفاف بممتلكات المواطنين تواصل حكومة ولد انجاي سياسية الأرض المحروقات التي يتتهجها العدو الإسرائيلي في غزه و لبنان. .
جرافات و اليات تنطلق ، لا لتبني أو تطوّر أو تعمّر… ، لا لتُصلح طريقاً متهالكاً، أو تُنشئ حديقة لأطفال، أو تُنظّم أحياءً سكنية، بل تدمر بهمجية بيروقراطية تحت عنوان: إزالة “التجاوزات” على أملاك الدولة… ؛
تندفع لتهدم البيوت ؛ كما لو كانت تحمل رسالة مفادها: “نحن هنا… لكن ضدكم”… ؛ فتندفع الجرافات لهدم ما تبقّى من أحلام البسطاء، لا لمصلحة القانون أو تنفيذاً للتخطيط الحضري، بل تنفيذاً لحصاد نتائج زمن الإهمال والتعسّف، و غياب الدولة وترك الحبل لعصابات التزوير في وزارة الاسكان تمرح سنين خلت مع تواطئ رسمي. وكأن الجرح الذي تركه ارتفاع الأسعار الجنوني والبطالة وعصابات شيخ الرضا لم يكفِ نزفًا، أو أن صبر المواطنين لا يزال يحتمل مزيدًا من القهر والاذلال … ؛ وكأن هذا المواطن الذي يئنّ تحت وطأة الفقر والبطالة وانعدام السكن و غياب الخدمات بحاجة إلى المزيد من الإذلال لا إلى حلول جذرية.

او كأنّ يد الدولة لا تتحرك إلا حين تريد إثبات سلطتها على أضعف أبنائها… ؛ وكأن نكء معاناة الفقر والبطالة واستفزاز الضرائب هو شكل من أشكال الدعاية أو بروفا للانضباط الوهمي…!! الذي يحاول دينصور الفساد ايهام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني به
تُنفّذ هذه العمليات بلا سابق إنذار، وبدون بدائل واقعية أو خطط إسكانية أو حلول انسانية ، ولم تسبقها دراسات اجتماعية أو اقتصادية، مما حول الدولة من كيان راعٍ للمواطن إلى خصم له، تتفنّن في نكء جراحه وقهره ، … ؛
وبينما يُهدم بيت بسيط شُيّد بالكدّ والحرمان وتحت الشمس اللاهبة، تعلو صرخة المواطن المكروب التي باتت شعارًا مألوفًا في الأحياء المنكوب: (( نحن لسنا ضد الدولة ولا ضد القانون… لاكن وفّروا النا البديل… والله تعبنا )) .

المواطن الفقير في هذه البلاد لا يبني قصرًا ولا فندقًا، بل يضع للبنة فوق للبنة، و أوقية فوق أوقية، ويجمع الفتات من عمله الشاق ليوفر لأسرته مأوى، ... ؛ ثم تأتي الدولة، لا لتُسعفه، بل لتهدم عليه تعب السنين، متذرعةً بعبارة: “إزالة التجاوزات.”… ؛ نعم إنهم اشتروا أرضهم من جهات مافيووية نافذة، وبنوا بيوتهم بعرق جباههم،، وحلمًا فوق حلم… ؛ ثم بعد سنين من التعب والتقشف والعمل الجماعي، تأتـي الحكومة لتفاجئهم بقرار الهدم، وكأنها تقتصّ من الفقير لا من حيتان الفساد واصحاب القرار والمتنفذين …؟!

فمنذوا سنوات عاثت نفس العصابات تحت عباءة شيخ الرضا في الأرض فسادا وسلبت آلاف المساكن من أهلها ظلما وجورا وتحت غطاء رسمي ومباركة تشريعية هاهو شيخ الرضا اليوم تحت الحماية والرعاية وهاهم الضحايا مجرد أرقام في محاكم تموت قضايا النافذين علي ادراجها
والفضيحة الأكبر تكمن في أن الدولة نفسها – أو المتنفذين المنتمين إليها – قد باعوا هذه الأراضي لمواطنين يبحثون عن مأوى، ثم عادت لتعاقبهم على ما اقترفته هي عبر وكلائها.

لقد دفع المواطنين ثمن الأرض، وثمن أعمدة الكهرباء، وثمن الحصى واللبن والإسمنت، ثم جاءته الجرافة فمزقت كل شيء، بلا إنذار، بلا محكمة، بلا بديل.

هذه ليست مجرد إزالة “تجاوز”، بل عملية سطو مزدوجة: على جيب المواطن، وعلى كرامته.
إنها سياسة تعذيب جماعي بلا رحمه .
نعم انه الاستغلال المزدوج : اذ تتحكم الشخصيات النافذة في أراضي الدولة… ؛ اذ يشتري المواطن المغلوب على أمره قطعة أرض منهم بأسعار باهظة، ثم يبدأ رحلة عذاب أخرى من ادخار وبناء ذاتي، غالباً دون خدمات أساسية… وبعد أن يبني مسكنه البسيط بدم قلبه ومعاناة أسرته، تأتي آليات الهدم الحكومية لتدمر هذا المسكن وتلقي به وعائلته في العراء، بلا اكتراث لوجود مرضى أو معاقين أو أطفال … ، إنها كارثة إنسانية وأخلاقية بكل المقاييس...!!

والأدهى من ذلك، أن هذه البيوت التي تُهدم أحيانًا تعود لعوائل أشخاص ضحّوا بأنفسهم من أجل الوطن، وكأن التكريم يتم عبر تشريد الأطفال والأمهات وإلقائهم في العراء تحت الشمس اللاهبة… أيّ نُكرانٍ أكثر من هذا؟!

أي وطن هذا الذي يجعل من مواطنيه “سائبين”، لا مأوى لهم ، وكأنهم حيوانات ضالة؟!
يفقد المواطن الأرض التي دفع ثمنها ، ومواد البناء، والجهد والوقت الذي استثمره، ليصبح بلا مأوى .
و تهدر الدولة أموالاً طائلة في عمليات الهدم نفسها، بينما تضيع عليها إيرادات ضخمة كان يمكن جنيها لو تم تنظيم بيع هذه الأراضي بشكل قانوني وشفاف لذات المواطنين منذ البداية، مع فرض رسوم وضرائب على الخدمات المقدمة لهم، مما يدعم الخزينة العامة. دون ان يخسر طرف
تزيد هذه السياسات التي يتنهجها ديناصور الفساد من اتساع الهوة بين الدولة والمواطن، وتقوض أي شعور بالعدالة أو الانتماء، وتغذي السخط والغضب الاجتماعي.

أليس من المفارقة أن الدولة التي تتقاعس عن بناء مجمعات سكنية أو توزيع الأراضي بشكل عادل، تسارع فقط في إصدار أوامر الهدم؟!

أليس من العبث أن تبيع عصابات الدولة الأرض للمواطن، ثم تهدمها الدولة ذاتها؟!

أليس من الظلم أن تشتري العائلة أعمدة الكهرباء ومستلزمات البناء، وتدفع الرسوم، ثم تُرمى في العراء؟!

ماذا لو كانت الدولة قد منعت بيع الأراضي غير القانونية من البداية؟

ماذا لو وضعت آلية لتوزيع السكن بمقابل رمزي، وربطته بشبكات خدمات ومدارس ومستشفيات … الخ ؟

ماذا لو اعتبرت المواطن شريكًا لا متجاوزًا، وقررت أن تُنظّم لا أن تهدم؟

في كل دول العالم، تُبنى العشوائيات حين تغيب الدولة، لا حين تكون حاضرة… ؛ و موريتانيا لا تفتقر للأرض ولا للمال، بل تفتقر للإرادة والعدالة والحكومة الخدمية والمهنية والنزيهة والوطنية .

أما الأموال التي خسرها المواطنون بسبب الهدم، فهي مليارات طارت مع الغبار، لم تُسجّل في دفاتر الدولة، ولم تُعوّض بها عائلة، بل أصبحت مجرد أرقام في جداول الخسارة الجماعية المتكررة والمستمرة .

متى تعقل الحكومة قبل أن تُبتر أوصال المجتمع؟

إنَّ إدارة الأزمات عبر القمع بدل الحلول، والهدم بدل التخطيط، تفضي إلى ما هو أخطر من الفقر: إلى انعدام الثقة بالوطن ذاته... ؛ بل حقد المواطن على الحكومة والوطن معا … .

من قال إن القانون لا يرحم؟ بل إن من يطبقه دون عدالة هو من لا يرحم.

ومن قال إن المواطن يُحبّ التجاوز؟ بل يُجبر عليه حين يُسحب البساط من تحته.

نعم، لكل داء دواء، ولكل تجاوز حل… لكن لا دواء في دولة تُعاقب الفقير لأنه فقير، ولا حل في منظومة ترى في المواطن عبئًا وعدوا لا شريكًا ومواطنا .

*البديل موجود… ولكن لا إرادة للحل

إن الكارثة لا تكمن في التجاوز نفسه بقدر ما تكمن في غياب البدائل… ؛ فلو كانت الدولة جادة في التنظيم الحضري والإصلاح، لأعدّت مشاريع إسكانية مخططة، وقدّمت قروضًا سكنية حقيقية، ووزعت أراضي بطريقة عادلة وشفافة… ؛ لكنها لا تفعل ذلك… ؛ بل تفتح الحدود أمام البضائع الرديئة، وتدمّر الصناعة الوطنية، وتترك العصابات تعبث بالاختام وتزوير الوثائق وتحوّل شبابها إلى عاطلين يدمنون المقاهي والمخدرات، ثم تأتي لتجردهم حتى من سقف يأويهم!

إنّ الأوطان لا تُبنى بجرف الجرافات ، ولا تترسّخ السلطات بالبطش… ؛ بل تبنى بالعدالة، وبالبدائل الواقعية، وبالسياسات التي ترى في المواطن شريكًا لا خصمًا.

وكلما ظلّت الدولة تعالج الأخطاء بأخطاء أفدح، وتُكرّر ممارساتها الإقصائية تحت شعارات كاذبة، فإنها تحفر خندقًا أعمق بينها وبين مواطنيها .

فهل من سامع؟
بقلم شيخنا سيد محمد