مهرجان لعيون.. التأجيل الذي أربك المشهد الثقافي وأثار الأسئلة / نوح محمد محمود

20. يوليو 2026 - 20:47

لم يكن مهرجان لعيون مجرد موعد احتفالي عابر، بل أصبح في سنوات قليلة أحد أبرز المهرجانات الثقافية والسياحية في موريتانيا، بعدما نجحت نسخه الاربعة في تقديم صورة مشرقة عن مقاطعة لعيون، وإبراز ما تزخر به من موروث ثقافي، وتنوع اجتماعي، ومقومات سياحية تستحق أن تكون في واجهة الاهتمام الوطني.
لقد أثبت القائمون على المهرجان أن لعيون ليست مجرد مدينة في أقصى الشرق، وإنما حاضنة للثقافة والإبداع، وقادرة على استقطاب الزوار والمهتمين من مختلف ولايات الوطن، وهو ما انعكس على الحركة الاقتصادية والتجارية، وأعاد الحياة إلى المدينة خلال أيام المهرجان.
كما ارتبط نجاح هذه التظاهرة بالدعم الذي حظيت به من راعيها الأول، الفريق المتقاعد مسقارو ولد سيدي، أحد أبرز أبناء ولاية الحوض الغربي، والشخصية التي تحظى بتقدير واسع وإجماع لافت في أوساط الفاعلين السياسيين وقادة الرأي ومختلف الحواضن الاجتماعية في الولاية، الأمر الذي منح المهرجان بعدًا وطنيًا يتجاوز حدود المناسبة الثقافية.
غير أن إعلان تأجيل المهرجان هذا العام جاء كصدمة لعشاق الثقافة والسياحة، وأثار حالة من الاستغراب لدى المتابعين، خاصة أنه تزامن مع توجه رسمي يدعو إلى تنشيط السياحة الداخلية، حيث شدد فخامة رئيس الجمهورية على ضرورة أن يقضي أعضاء الحكومة وكبار المسؤولين عطلهم داخل البلاد دعمًا للاقتصاد الوطني وتشجيعًا للمقاصد السياحية المحلية.
ومن هنا تبرز المفارقة؛ ففي الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى تعزيز السياحة الداخلية، يُؤجل أحد أهم المهرجانات القادرة على تجسيد هذا التوجه على أرض الواقع. ولذلك لم يكن مستغربًا أن ترتفع أصوات المهتمين مطالبة بتوضيح أسباب التأجيل، وهل هو قرار تنظيمي مؤقت فرضته ظروف معينة، أم أن هناك معوقات مالية أو لوجستية أو تنظيمية حالت دون إقامة المهرجان في موعده.
إن غياب التوضيح الرسمي يفتح الباب أمام التأويلات، وهو أمر لا يخدم مهرجانًا اكتسب مكانة معتبرة في الساحة الثقافية والسياحية، ولا يخدم كذلك الجهود المبذولة لترسيخ الثقة بين المنظمين والجمهور.
لقد كانت الأنظار هذا الصيف تتجه نحو عروس الشرق، لعيون العتروس، على أمل أن تستعيد المدينة حركتها الثقافية والسياحية، وأن تستقبل ضيوفها كما فعلت في النسختين السابقتين، غير أن التأجيل بدد تلك التطلعات، وترك فراغًا في أجندة الفعاليات الوطنية.
ولا شك أن الحفاظ على المكتسبات التي حققها مهرجان لعيون يقتضي مصارحة الرأي العام بأسباب التأجيل، والإعلان عن موعد واضح لعودته، حتى يظل هذا المشروع الثقافي حيًا في وجدان محبيه، لأن المهرجانات الكبرى لا تُقاس فقط بما تقدمه من عروض فنية، وإنما بما تصنعه من حراك اقتصادي، وإشعاع ثقافي، وتعزيز للهوية الوطنية، ودعم للسياحة الداخلية التي أصبحت اليوم خيارًا استراتيجيًا للدولة.
ويبقى الأمل أن يكون التأجيل محطة عابرة لا نهاية لمشروع أثبت نجاحه، وأن تعود لعيون قريبًا لتفتح أبوابها من جديد أمام الثقافة والإبداع، وتستعيد مكانتها كواحدة من أهم عواصم الثقافة والسياحة في الشرق الموريتاني.
إذا لم تكن هناك أسباب قاهرة للتأجيل، فإن من حق الرأي العام، ومن حق محبي مهرجان لعيون، معرفة الأسباب الحقيقية لهذا القرار، لأن المشاريع الثقافية الناجحة تُبنى على الشفافية، كما تُبنى على الاستمرارية والثقة.

إعلانات