
يُمثّل إعلان مخرجات النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج، لاسيما إطلاق صكوك إسلامية سيادية وتأسيس صندوق استثماري مخصص للمغتربين، تحولاً جوهرياً في المقاربة التنموية الوطنية، حيث ينقل العلاقة الاقتصادية مع المهجر من دائرة "التحويلات الاستهلاكية الرتيبة" إلى رحاب "التراكم الرأسمالي والتنمية المشتركة".
تاريخياً، ظلت الكتلة المالية المتدفقة من الموريتانيين في الخارج تصب في مسالك الإعاشة العائلية اليومية أو الاستثمارات العقارية الفردية غير المنتجة، مروراً بقنوات مصرفية موازية تحد من استفادة الاقتصاد الرسمي منها. ومن هنا، يبرز تأسيس الصندوق الاستثماري والقنوات الرسمية كخطوة هيكلية لإعادة توجيه هذا الرأسمال نحو الدورة الاقتصادية المنظمة، مما يرفد البنك المركزي الموريتاني بسيولة مستدامة من النقد الأجنبي، تدعم استقرار سعر صرف الأوقية وتخفف الضغوط المزمنة على الميزان الخارجي.
وفي هذا السياق التكاملي، تتكامل وظيفة الصكوك الإسلامية السيادية بوصفها أداة استثمارية متوافقة مع الشريعة ومسنودة بضمان الدولة، ما يمنحها قوة استقطاب فائقة لمدخرات الجاليات في مواجهة التضخم أو فوائد الحسابات الراكدة في بنوك دول الإقامة. ولا تقتصر أهمية هذه الصكوك على بعدها التمويلي المباشر للمشاريع الكبرى في مجالات الطاقة والمياه والزراعة، بل تمتد لتشكيل بديل سيادي يقلل من اعتماد الخزينة العامة على القروض الخارجية ذات الكلفة المرتفعة، مع الإسهام الفعلي في تعميق السوق المالي الوطني وتنشيط أدوات التمويل الإسلامي.
ويواكب هذا المسار التمويلي دور الصندوق الاستثماري كمظلة مؤسسية لحماية وتنمية مدخرات صغار ومتوسطي المستثمرين في المهجر؛ فالصندوق يقدم حلاً استراتيجياً لمعضلة إدارة المشاريع الفردية عن بُعد وما يكتنفها من مخاطر الإخفاق والنزاعات الأسرية، عبر توفير محافظ استثمارية تدار بكفاءة واحترافية في قطاعات إنتاجية حيوية، كالزراعة المروية والصيد البحري والصناعات الغذائية التحويلية، وهو ما يضمن خلق فرص عمل دائمة ومضاعفة القيمة المضافة للاقتصاد المحلي بدلاً من تجميد رؤوس الأموال.
على أن تحقيق هذه الأهداف التنموية الطموحة يظل رهيناً بتوفير بيئة تشغيلية قائمة على الشفافية والحوكمة الصارمة، إلى جانب ضمان مرونة تحويل الأرباح واسترداد أصل الاستثمار بالعملات الصعبة دون عوائق إدارية، وتطوير منصات مصرفية رقمية ميسرة تمكّن المغتربين في مختلف القارات من الاكتتاب والمتابعة بسلاسة. وبتحقق هذه المتطلبات، تكتمل مقومات هذه المبادرة لتتحول من مجرد إعلان سياسات إلى رافعة حقيقية تدمج الجاليات كشريك اقتصادي استراتيجي في مسيرة النماء الوطني المستدام.




