في ميزان الحكم والنزاهة: قراءة في المسار الاستثنائي لمولاي ولد محمد لغظف

25. أكتوبر 2026 - 22:05

​تظل مسألة النزاهة وصيانة المال العام المعيار الأصعب لاختبار رجالات الدولة، خصوصاً حين يقضي المسؤول عقوداً متعاقبة في عين العاصفة ومواقع القرار السيادي. ومن هذا المنطلق التحليلي المجرد، تبرز تجربة الوزير الأمين العام السابق لرئاسة الجمهورية، الدكتور مولاي ولد محمد لغظف، كحالة فريدة في المشهد السياسي الموريتاني المعاصر، إثر انتهاء مهامه الرسمية بعد مسيرة مديدة امتدت عبر نظامين سياسيين متباينين في التوجه والأسلوب.
​إن الوقوف المتأني أمام هذه التجربة يفرض نفسه بالنظر إلى الفترة الزمنية الحرجة التي شغل فيها الرجل منصب الوزير الأول؛ إذ قاد الحكومة لقرابة ستة أعوام إبان حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ثم عاد ليتولى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية لنحو عامين ونصف، قبل أن يواصل المهمة ذاتها لأكثر من أربع سنوات في عهد الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني.
​المفارقة اللافتة هنا هي خروج الرجل من تلك المراحل الشديدة الحساسية والتعقيد—والتي شهدت توترات سياسية عاتية ونقاشات حامية حول تسيير الموارد العامة—بسجل إداري ومالي ظل بمنأى تام عن لوائح الاتهام أو شبهات الفساد وتضارب المصالح التي طالت أطرافاً عديدة جاورت تلك المراكز التنفيذية.
​وتتجاوز النزاهة في نموذج ولد محمد لغظف بعدها القانوني الضيق المتمثل في الابتعاد عن الاختلاس، لتصل إلى مفهومها الإداري والسياسي الأوسع:
​إدارياً: تمثلت في الترفع التام عن استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب فئوية أو منافع خاصة، وترسيخ اعتبار الموقع العام أمانة وطنية صرفة.
​سياسياً: تجلت في المحافظة على مسافة أمان أخلاقية جنّبته الانجراف وراء صراعات الاستقطاب الحاد، فلم يحوّل الخلاف السياسي يوماً إلى خصومة شخصية مع معارضي النظام.
​وقد انعكست هذه السمات على طبيعة العلاقات التي نسجها الرجل؛ إذ حظي باحترام وإشادة قادة وازنين في المعارضة الموريتانية التاريخية (مثل أحمد ولد داداه، ومسعود ولد بلخير، ومحمد ولد مولود، والراحل المصطفى ولد بدر الدين)، وهي شهادات تثبت نجاحه في إدارة التباين السياسي بلغة الحوار والرصانة، بعيداً عن التشنج والاستعلاء.
​وعلى المستوى الإنساني والإداري الميداني، تؤكد المعاينات المباشرة لمساره—سواء في اللقاءات الدبلوماسية الخارجية أو في إدارة الوفود الرسمية—حرصاً متأصلاً على العناية بالمرؤوسين والاهتمام بكافة أفراد البعثات دون تمييز بروتوكولي، مما رسخ عنه صورة المسؤول القريب من الناس والمتجرد من مظاهر الأبهة والتعالي.
​من هنا، كان لتنحية ولد محمد لغظف عن موقعه صدى واسع لدى المتابعين للشأن الوطني؛ فالرجل لم يكن مجرد موظف يشغل منصباً رفيعاً، بل تحول بفضل هدوئه وحنكته الدبلوماسية إلى قناة اتصال موثوقة وجسر تواصل فاعل بين مؤسسة الرئاسة ومختلف القوى المجتمعية والسياسية.
​ولا شك أن إعادة تشكيل الفرق التنفيذية وترتيب أجهزة الحكم تظل من صميم الصلاحيات التقديرية لرئيس الجمهورية، إلا أن التساؤل الموضوعي الذي يطرحه الشارع السياسي يكمن في ما إذا كانت الإدارة قادرة على تعويض تلك الخبرة التراكمية، ومواصلة نسج الثقة التي تتطلب سنوات من الاتزان وبناء المصداقية.
​لا تعني هذه القراءة تجريد المسؤول من بشريته أو وضعه فوق النقد، لكنها تثبيت لحقيقة ساطعة في التاريخ السياسي للبلد: إن المناصب تتداولها الأيام، والنفوذ السياسي زائل، لكن السمعة النقية واليد النظيفة رصيد ذاتي لا تصنعه المراسيم ولا تسلبه قرارات الإعفاء.

بلقلم : محمد المختار محمد لفظيل

إعلانات