
تُعدّ زيادة سن التقاعد في الأجهزة الأمنية والعسكرية خطوةً مهمة وفي الاتجاه الصحيح، لأنها تُمكّن الدولة من الاحتفاظ بالكفاءات والخبرات التي راكمها أفرادها عبر عقود من الخدمة والتكوين والتجربة. فالمؤسسات الأمنية لا تُبنى بالعتاد وحده، بل بالخبرة المتراكمة والذاكرة المهنية التي تشكل عنصرًا أساسيًا في استمرارية الأداء وتطويره.
غير أن هذه الخطوة ينبغي أن يواكبها ترسيخ مبدأ التخصص والكفاءة في إسناد المناصب القيادية العليا داخل المؤسسة العسكرية. فقيادات الأركان والمواقع العملياتية الحساسة يجب أن تكون من نصيب أصحاب الخبرة الميدانية والمسار القيادي الواضح، ممن اكتسبوا المعرفة العملية في إدارة الرجال والعمليات والتعامل مع التحديات الأمنية المباشرة. فالمحيط الإقليمي الذي نعيش فيه يزداد اضطرابًا وتعقيدًا، وهو ما يفرض أن يتولى مواقع القرار العسكري من خبروا الميدان وعرفوا متطلباته وتحدياته.
ومن جهة أخرى، فإن الدولة مطالبة كذلك باستثمار الخبرات الأمنية والعسكرية التي تغادر الخدمة الفعلية بعد التقاعد. فالكثير من الضباط السامين والمتقاعدين يمتلكون رصيدًا كبيرًا من المعرفة والخبرة الاستراتيجية والإدارية، ومن غير الحكمة أن تبقى هذه الطاقات معطلة أو بعيدة عن دوائر صناعة القرار.
ومن هنا تبرز أهمية استحداث وظيفة مستشار أمني في مختلف الوزارات والقطاعات الحكومية، ليس بهدف عسكرة الإدارة أو إحلال المقاربة الأمنية محل العمل المدني، وإنما للاستفادة من الخبرة الوطنية في دعم القرار الحكومي واستشراف المخاطر وتعزيز التنسيق بين القطاعات المختلفة. فالمستشار الأمني يبقى عنصرًا مساعدًا في التقدير والرأي، بينما تظل الإدارة المدنية صاحبة الاختصاص الأصيل في التسيير والتنفيذ.
إن الدول الناجحة لا تُهدر خبراتها، بل تحسن توظيفها في المكان المناسب والوقت المناسب؛ فتُبقي على الكفاءات القادرة على العطاء، وتمنح القيادة لأهل الاختصاص، وتستثمر خبرات المتقاعدين في خدمة الدولة ومؤسساتها.
ر/أ متقاعد :محمد المختار محمد لفظيل




