من الانسجام إلى القطيعة.. كيف وصلت حكومة عثمان صونكو إلى الإقالة في السنغال؟ / موريتانيا الحدث

23. مايو 2026 - 8:46

موريتانيا الحدث : شهدت السنغال، مساء 22 مايو 2026، زلزالًا سياسيًا مدويًا بعد إعلان الرئيس باسيرو ديوماي فاي إقالة الوزير الأول عثمان صونكو وحل الحكومة، في خطوة أنهت أشهرًا من التوتر المكتوم بين الرجلين اللذين قادا معًا مشروع التغيير السياسي تحت راية حزب “باستيف” (PASTEF) منذ انتخابات مارس 2024.
خلافات سياسية تحولت إلى صراع صلاحيات
لم تكن الإقالة مفاجئة للمتابعين للشأن السنغالي؛ فقد سبقتها مؤشرات عديدة على تصدع العلاقة بين الرئيس فاي ورفيق دربه صونكو. ففي الأسابيع الأخيرة، خرج الخلاف إلى العلن بعد تصريحات متبادلة حملت رسائل سياسية واضحة بشأن إدارة السلطة وحدود صلاحيات كل طرف.
وكان صونكو قد أكد في مداخلات سياسية وبرلمانية أنه ليس «وزيرًا أول يوافق على كل شيء دون نقاش»، في إشارة فهمت على أنها اعتراض على طريقة إدارة الملفات الكبرى داخل مؤسسة الرئاسة. كما برزت تباينات داخلية حول توجهات الحكم، وآليات اتخاذ القرار، ومستقبل المشروع السياسي الذي أوصل الثنائي إلى السلطة.
ملف الشفافية والرقابة المالية
ومن بين الملفات التي عمّقت الأزمة، النقاش المتعلق بالحكامة المالية وآليات الرقابة على الإنفاق العمومي، خاصة ما يرتبط بالصناديق السيادية وميزانيات المؤسسات العليا للدولة. وقد دافع صونكو مرارًا عن توسيع نطاق التدقيق والشفافية وعدم استثناء أي جهة من الرقابة، وهو ما زاد حساسية العلاقة بين رئاسة الجمهورية والحكومة، في ظل تجاذبات متصاعدة داخل دوائر القرار.
أزمة اقتصادية خانقة وضغط المؤسسات المالية
سياسيًا، جاءت الإقالة في ظرف اقتصادي بالغ التعقيد. فالسنغال تواجه أزمة مالية مرتبطة بارتفاع المديونية، وتعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بعد كشف مراجعات مالية عن ديون والتزامات لم تكن معلنة بالكامل خلال المرحلة السابقة، وهو ما أدى إلى تجميد برنامج تمويل دولي مهم بقيمة 1.8 مليار دولار.
كما ظهرت خلافات بين الرئيس فاي وصونكو حول كيفية التعاطي مع الأزمة المالية، بما في ذلك مقاربات إعادة هيكلة الدين والتعامل مع الشركاء الدوليين، وهو ما ساهم في توسيع فجوة الثقة داخل قمة السلطة.
حراك شبابي ودعم شعبي للوزير الأول المقال
إقالة صونكو لم تمر بهدوء داخل الشارع السنغالي؛ إذ سُجلت حالة تعبئة وسط أنصاره، خصوصًا من فئة الشباب الذين يشكلون القاعدة الشعبية الأبرز لحزب “باستيف”. وتجمعت مجموعات من الداعمين أمام منزل الوزير الأول المقال في حي “كير غورغي” بداكار تعبيرًا عن التضامن معه ورفض قرار الإقالة، بينما تداول ناشطون دعوات للحشد والدفاع عن “خيار التغيير” الذي مثله صونكو منذ سنوات المعارضة.
ويُعد صونكو أحد أكثر الشخصيات السياسية تأثيرًا لدى الشباب السنغالي، وقد ارتبط اسمه تاريخيًا بحركات الاحتجاج والتعبئة الشعبية، سواء خلال معارك المعارضة ضد نظام الرئيس السابق ماكي صال أو خلال الاستحقاقات الانتخابية التي أوصلت معسكره إلى الحكم.
نهاية تحالف أم بداية أزمة أعمق؟
وعقب إعلان القرار، علّق صونكو عبر منصات التواصل الاجتماعي بالقول إنه سيخلد للنوم تلك الليلة “مرتاح البال”، في رسالة فسّرها البعض بأنها تعكس قناعته بأن استمرار الوضع السابق لم يعد ممكنًا.
ويرى مراقبون أن إقالة حكومة صونكو لا تعني مجرد تعديل حكومي عابر، بل قد تمثل بداية مرحلة سياسية جديدة في السنغال، عنوانها إعادة رسم موازين القوة داخل السلطة، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل العلاقة بين الرئيس فاي وحزب “باستيف”، ومدى قدرة النظام على احتواء تداعيات الأزمة السياسية والاقتصادية المتشابكة.
ويبقى السؤال المطروح: هل نجحت الإقالة في احتواء الخلاف، أم أنها فتحت الباب أمام مواجهة سياسية أوسع بين الرئاسة والقاعدة الشعبية التي ترى في عثمان صونكو رمزًا لمشروع التغيير السنغالي؟

إعلانات