ماذا بعد التعديلات الدستورية ومغالطة لجنة الانتخابات؟

7. أغسطس 2017 - 18:44
د/ يحي عابدين

مررت السلطة التنفيذية والحكومة مقترح التعديلات الدستورية إلى الاستفتاء الشعبي بعد أن أسقطتها الغرفة العليا بالجمعية الوطنية، ومع ماشابها من جدل قانوني، يتعلق باعتمادها على المادة 38، وعدم أحقيتها في ذلك باستدعاء هيئة الناخبين دون وجود قانون لذلك، فقد أشرفت اللجنة المستقلة للانتخابات على العملية الانتخابية رغم ما شابها من عوار نذكر منه:
- تأكيد رئيس حزب اللقاء المشارك منع ممثليه من الرقابة على العملية.

- عدم تعليق أغلب رؤساء المكاتب للمحاضر على أبواب المكاتب بعد الفرز، وهو ما ينص عليه القانون.
- إدلاء بعض المواطنين لأصواتهم عدة مرات، خاصة في الأرياف، نظرا لعزوف المواطنين عن مكاتب التصويت.
- اختطاف نافذين لزمام بعض المكاتب، وذلك بتبديل رؤسائهم بآخرين، وكذا بعض أعضائهم غير المتعاونين في التزوير.
- إشراف الإدارة من حكام وولاة على اللجنة والضغط عليها بشكل قوي، مما منع من استقلالية اللجان الجهوية في كثير من الأحيان.
ومما لايدع مجالا للشك فإن ترغيب الحكومة وترهيبها للموظفين أمر ولد نوعا من عدم استقلالية الحكومة في هذه العملية، لكن مقاطعة المعارضة أفرزت عزوفا غير مسبوق للمواطنين عن مكاتب التصويت، خاصة في المدن الكبرى التي ينتشر فيها الوعي، وتغيب عنها أجندات القبلية والجهوية التى لازالت تخيم على الأرياف والمجتمعات التقليدية هناك.
إن عزوف المواطنين عن مكاتب التصويت أمر لاحظه كل مراقب، ووثقته كل الصحف بالصور والأرقام، وهو ما احتاجت بسببه السلطة إلى التزوير الذي يحرمه ويجرمه القانون، لكننا وللأسف الشديد رصدناه في هذه الانتخابات، رغم أن الإسلام ينبذه (ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور) ونحن نؤكد تمسكنا بالثوابت والقيم الإسلامية.
لكن حين تعجز الحكومة أن تمرر ماهو خارج عن إرادتها، تعمد إلى التزوير ضاربة عرض الحائط بإرادة الشعب، ومستلبة حق المعارضة المقاطعة، استهتارا بهؤلاء المواطنين وحرياتهم، وفرضا للتزوير بالقوة والتمالئ على ذلك، رغم أنه علينا كمجتمع مسلم أن نحذر من الإجماع على شهادة الزور.
بعد كل هذه الخروقات والتجاوزات الشرعية والقانونية، مرت التعديلات الدستورية بنسبة مشاركة هيئ لها أن تكون فوق الخمسين لكنها ليست كذلك في الإعلان الأول عنها حتى الآن.
فقد حذفت اللجنة مغالطة الرأي العام أكثر من مائة ألف من الرقم الأول الذي استدعيت له هيئة الناخبين حيث كان أكثر من 1400.000 ألف ناخب، ليفاجؤونا بأنه أكثرقليلا من 1300.000 ناخب، إلا إذا كان سيزيده المجلس الدستورى غدا ليصل إلى الرقم المقنع، أي ما فوق الخمسين، فنسبة المشاركة الآن 45% بحسابهم الذين نظروا فيه وفكروا وقدروا، أما في الواقع الحقيقي فقد بلغت 20% فقط.
لقد سقطت التعديلات الدستورية، وسقطت الأقنعة رغم كل المحاولات، لكن التعديلات مررت وكسبت الحكومة مكسبا لامثيل له في التاريخ الموريتاني، فأين مكاسب المواطن الموريتاني؟ وأين ستظهر هذه الإصلاحات في مفاصل الدولة الموريتانية؟ وأين سينعكس ذلك الإصلاح والتنمية على حياة المواطن البسيط؟ الذي حرم من إرادته في التعبير والحرية بتزويرها، وبددت أمواله هدرا في هذه اللعبة الانتخابية المشبوهة، وسيرهق كاهله بسوط الضرائب الأليم غدا، وسيعاقب ضمنيا نظرا لعزوفه عن التصويت تعبيرا عن إرادته المقاطعة النزيهة.
إنك أيها الشعب لست حرا في إرادتك، ولست حرا في ماضيك وحاضرك ومستقبلك، بل أنت رهين لإرادة الرئيس وبطانته، والحكومة وأجندتها، ومشورتك إنما هي "مشورة فم الكربه"  فعليك الإذعان وعليك الانقياد، وعليك أن تكبر أربعا على اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، وتعلم أنها من رجالات البلاط وليست مستقلة.
هنيئا لك أيها الرئيس مصادرتك لإرادة هذا الشعب، ووفائك لوعدك بحل مجلس الشيوخ، وانتصارك عليهم على حساب شعب ضعيف مسحوق محروم من حقوقه، هو في صراع معكم دائما من أجل بقاء الركن الثالث من أركان هذه الدولة التي يلعب بها جهازان، هما جهاز الحزب الحاكم وأطره المتزلفين، وجهاز الأمن الذي يخفي عنكم معاناة شعب كسير، أو يطلعكم عليها لتضربوه في المقاتل.
إن تغيير العلم الوطني هو طمس للماضي، ومحو لحقبة تاريخية عظيمة من تاريخ هذا الشعب المجيد، وليس تحسينا هكذا وإنما له ما بعده، مما يستوجب على الشعب أن يتصدى له بحزم وعزم وجدية واجتهاد وصرامة قبل فوات الأوان.
إنه عليكم أيها الفرقاء السياسيين موالاة ومعارضة أن تخرجوا من مصالحكم الشخصية إلى مصالح موريتانيا الواسعة بجميع أطيافها وتوجهاتها، وأصولها وفروعها، فالوطن وطننا جميعا، وما بعد التجاذبات إلا الإنفجار، فعليك أيتها السلطة التنفيية النظر ببصيرة إلي الأغلبية والمعارضة للتفريق بين النخبة المأجورة والنخبة المقهورة، تخفيفا للضغط على المعارضة المقاطعة، والتفكير في أسس مشتركة للعمل الديمقراطي المشترك مع جميع أطياف هذه المعارضة دون إقصاء أو تهميش، وعليك أيتها المعارضة الابتعاد عن الأجندات الخارجية والمآرب الآنية، فالعاقل من اتعظ بغيره، وما الوطن العربي منا ببعيد، فالعِبرة قبل العَبرة، والأمن والاستقرار قبل الانفجار، والتقارب والحوار قبل الانصهار! فماذا بعد التعديلات الدستورية ومغالطة لجنة الانتخابات وتزويرها؟ حفظ الله موريتانيا من كل سوء.

تابعونا