افتتاحية «موريتانيا الحدث»: ولد أجاي في الميدان.. حين تصبح المحاسبة عنوانًا للعمل الحكومي

19. أكتوبر 2026 - 9:41

ليست قيمة المسؤول في عدد الاجتماعات التي يترأسها، ولا في حجم الملفات التي تتكدس فوق مكتبه، وإنما في قدرته على تحويل القرارات إلى إنجازات، والتوجيهات إلى نتائج، والوعود الحكومية إلى خدمات يلمسها المواطن في حياته اليومية.

ومن هذه الزاوية، تستحق التحركات الميدانية المكثفة التي باشرها الوزير الأول المختار ولد أجاي، عقب تجديد الثقة فيه وتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، وقفة تتجاوز متابعة الزيارات في بعدها البروتوكولي، إلى قراءة ما تحمله من رسائل بشأن أسلوب إدارة العمل الحكومي، ومكانة الانضباط والمساءلة في المرحلة المقبلة.

فخلال جولاته الأخيرة في نواكشوط، لم يكتف الوزير الأول بالاطلاع على المنشآت والمشاريع، والاستماع إلى العروض الفنية والتفسيرات الإدارية، وإنما بدا حريصا على مساءلة القائمين عليها عن مستوى التنفيذ، ومدى احترام الآجال المحددة، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، مع توجيه انتقادات صريحة حين تكشف المعاينة عن تقصير أو اختلال.

وقد برز هذا النهج بوضوح في حديثه عن واقع النظافة في العاصمة، عندما لم يتردد في الإقرار بأن الوضع القائم لا يبعث على الرضا، وفي انتقاد ضعف التحسن المسجل في بعض المناطق، مؤكدا أن النظافة لا يمكن أن تبقى رهينة حملات موسمية، وإنما ينبغي أن تتحول إلى عمل يومي مستمر، تسنده المسؤولية المؤسسية والوعي المدني والإجراءات الرادعة للممارسات المخالفة.

وتكتسب هذه الصراحة أهميتها من كونها تصدر عن رئيس الجهاز التنفيذي نفسه؛ فاعتراف الحكومة بأوجه القصور في أدائها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نقطة ضعف، بل خطوة ضرورية في طريق الإصلاح، ما دام مقترنا بإرادة التصحيح وآليات المتابعة والمساءلة.

ولعل من أبرز ما شهدته هذه الجولة أيضا الإعلان عن فسخ عقود إنجاز خمسة مراكز صحية بسبب تأخر الأشغال، في رسالة مفادها أن الالتزامات التعاقدية ليست مجرد وثائق تحفظ في الأرشيف، وأن التأخر في تنفيذ المشاريع العمومية لا يجوز أن يستمر دون تبعات.

إن هذه المقاربة تنسجم مع التوجه الذي أكد عليه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والقائم على ضرورة تسريع إنجاز المشاريع وتحسين الخدمات الأساسية، وضمان وصول ثمار الإنفاق العمومي إلى المواطنين، بدل أن تستنزفها الاختلالات الإدارية والتعثرات التنفيذية.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذا الحراك لا تكمن في حدة التوجيهات وحدها، ولا في مشاهد المسؤولين وهم يتلقون الملاحظات أمام الكاميرات، وإنما في مقدار ما يترتب على تلك التوجيهات من تغيير فعلي في سلوك الإدارة وأداء المرافق العمومية.

فالدولة لا تُدار بالتوبيخ، كما أنها لا تُصلح بالتساهل. وبين هذين الحدين تقع المسؤولية التنفيذية الرشيدة التي تجمع بين الحزم والإنصاف، وبين محاسبة المقصر وتوفير الوسائل الضرورية لمن يُطلب منه الإنجاز.

وإذا كان من الطبيعي أن يتحمل المسؤول الإداري تبعات تقصيره، فمن الضروري أيضًا أن تكون المحاسبة مبنية على معايير موضوعية، تميز بين الإهمال الشخصي والاختلال المؤسسي، وبين ضعف الأداء ونقص الإمكانات، حتى تصبح الصرامة أداة للإصلاح، لا مجرد وسيلة للضغط.

وما تحتاج إليه الإدارة الموريتانية اليوم ليس أن يشعر المسؤول بالخوف من زيارة الوزير الأول، وإنما أن يدرك أن أداءه يخضع لتقييم دائم، وأن واجباته لا تبدأ بوصول الوفود الرسمية ولا تنتهي بمغادرتها.

ومن هنا، فإن الرهان الأكبر أمام ولد أجاي يتمثل في نقل روح المتابعة التي أظهرتها جولاته الأخيرة من مستوى المبادرة الشخصية إلى مستوى الممارسة المؤسسية المستدامة؛ بحيث تصبح الرقابة والتقييم والمساءلة جزءًا ثابتا من عمل القطاعات الحكومية، لا إجراءات استثنائية تستدعي حضور رئيس الحكومة.

وليس من الإنصاف الحكم على نتائج هذه التحركات قبل أن تتاح الفرصة لقياس آثارها، لكن من المشروع اعتبارها مؤشرا على توجه تنفيذي يعطي أهمية أكبر للمتابعة الميدانية، ويضع المسؤولين أمام التزاماتهم بصورة أكثر مباشرة.

إن المواطن الموريتاني لا ينتظر من الحكومة أن تعلن كل يوم عن مشروع جديد بقدر ما ينتظر أن تكتمل المشاريع المعلنة، وأن يجد الدواء في المنشأة الصحية، والماء في منزله، والنظافة في شارعه، والخدمة اللائقة في إدارته.

وهذه هي المعايير التي ينبغي أن يُقاس بها نجاح الحكومة، بعيدا عن ضجيج المناسبات وصخب التصريحات.

لقد خرج الوزير الأول إلى الميدان، ووجّه ملاحظاته، وأعلن إجراءات بحق بعض المتعثرين. أما الامتحان الحقيقي، فيبدأ بعد انتهاء الجولة؛ هل ستتحول التوجيهات إلى قرارات نافذة، والقرارات إلى إنجازات، والإنجازات إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين؟

ذلك هو التحدي الذي يستحق أن تلتف حوله الجهود، وأن تواكبه الصحافة بالتشجيع حين يتحقق الإنجاز، وبالنقد المهني حين يظهر التقصير.

فنجاح العمل الحكومي لا يُقاس بصرامة الخطاب، وإنما بفاعلية الإدارة. ولا تكفي زيارة المسؤول للميدان ما لم تصبح الدولة، بمختلف مؤسساتها، حاضرة فيه كل يوم.

والغاية، في نهاية المطاف، ليست أن يعرف المواطن أن الوزير الأول غاضب من التقصير، بل أن يشعر بأن أسباب ذلك التقصير قد زالت.

إعلانات