فخ الإدارة الميدانية.. حين تعوض الكاميرا غياب الرقابة المؤسسية

17. أكتوبر 2026 - 16:40

​يعود مشهد الوزير الأول، المختاراجاي، وهو يجوب شوارع العاصمة نواكشوط متفقداً ورش البنية التحتية، ليثير نقاشاً يتجاوز طابع الزيارة البروتوكولية إلى جوهر الفلسفة الإدارية والاقتصادية التي تُدار بها الشأن العام في موريتانيا. للوهلة الأولى، تبدو هذه التحركات استجابة لحاجة ملحة يفرضها واقع المشاريع المتعثرة، وتجسيداً لرغبة السلطة التنفيذية في فرض الصرامة والنزول إلى الميدان. غير أن التمعن في سياق هذه الجولات، واستحضار تجارب سابقة مماثلة، يضعنا أمام مفارقة حقيقية: هل نحن أمام تصحيح لمسارات التنفيذ، أم أمام استمرار لنهج الإدارة الاستعراضية التي تستهلك الوقت والجهد دون معالجة الأعطاب الهيكلية؟
​ذاكرة الأوراش: من هالة "العصرنة" إلى حقيقة المستنقعات
​لا يمكن فصل جولة اليوم عن السياق الذي سبقه. فقد شهدت العاصمة في فترات سابقة حملات واسعة رُوّج لها تحت لافتة "عصرنة نواكشوط"، ولاقت حينها زخماً إعلامياً وإشادات واسعة بشرت بنقلة نوعية في وجه المدينة وخدماتها الأساسية. آنذاك، كانت عدسات الإعلام توثق التوجيهات الصارمة والوعود بالتسليم وفق دفاتر الشروط؛ بيد أن هذه الصورة المثالية سرعان ما سقطت في أول اختبار حقيقي.
​فمع تساقط أولى زخات المطر، غمرت المياه المحاور الرئيسية وتحولت الأحياء إلى برك محاصرة، كاشفةً عن غياب شبكات صرف صحي قادرة على الصمود، وهشاشة بيّنة في الأشغال المنجزة. أثبتت التجربة أن المتابعة التي لا تُبنى على تدقيق فني مستقل ورقابة مستمرة تصبح شاهداً على عجزها، وأن ما يُبنى على ضجيج الكاميرات يتبخر أمام حقائق الجغرافيا والطقس.
​النزيف المالي الصامت: التكلفة الاقتصادية للتعثر وهدر الموارد
​خلف الصورة الإعلامية للأوراش المتعثرة، تكمن فاتورة اقتصادية باهظة تتحملها الميزانية الوطنية والخزينة العامة بصمت. فتعثر المشاريع ليس مجرد إخلال زمني، بل هو استنزاف مباشر للمال العام ينعكس في عدة مؤشرات هيكلية:
​تضخم تكاليف التنفيذ وملاحق العقود: كل تأخير في التسليم يفتح الباب واسعاً أمام إعادة تقييم الأسعار ومطالبات المقاولين بالتعويض عن فروق التضخم وتكاليف المواد الأولية، فتتحول الصفقات إلى ثقوب سوداء تبتلع مخصصات مالية تفوق التقديرات الأولية بمستويات قياسية.
​ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة: تجميد مليارات الأوقية في مشاريع متوقفة أو بطيئة التنفيذ يحرم قطاعات تنموية حيوية أخرى من تلك السيولة، ويؤخر العائد التنموي والاجتماعي المتوقع، مثل تحسين الإنتاجية وتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.
​دوامة الصيانة والترقيع المكلف: إن غياب الجودة الفنية في البنى التحتية يفرض على الدولة العودة سريعاً إلى رصد ميزانيات صيانة وترميم طارئة لمنشآت لم تكمل عمرها الافتراضي بعد، وهو ما يضاعف الإنفاق على نفس المرفق بدلاً من توجيهه لتوسيع قاعدة الخدمات.
​تعطيل النشاط التجاري وشلل حركة الإنتاج: البنية التحتية الهشة، خصوصاً في مجالات الصرف الصحي والطرق، تكبد الاقتصاد خسائر غير مباشرة؛ إذ يؤدي انحصار مياه الأمطار إلى تعطيل حركة النقل التجاري، وتلف الممتلكات الخاصة، وشل الأسواق المركزية في العاصمة، مما يترتب عليه فاقد إنتاجي وضريبي مباشر.
​التساهل والرقابة الغائبة: درس قطاع الطاقة
​يمتد هذا التناقض إلى قطاعات حيوية أخرى؛ فالتحقيقات الأخيرة في قطاع الطاقة عكست صورة قاتمة لواقع الرقابة الداخلية واستباحة المقدرات العامة دون حسيب. كشفت تلك الوقائع أن المشكلة ليست في نقص التوجيهات أو غياب المسؤولين عن الواجهة، بل في انهيار منظومة المساءلة التي تجعل من التعدي على المال العام مغامرة باهظة الثمن.
​حينما تنعدم آليات المتابعة الدائمة والمستقلة، تصبح المؤسسات عرضة للتآكل الداخلي، ويفقد المرفق العمومي فعاليته. إن أزمة قطاع الطاقة وما كشفته التحقيقات تؤكد أن الخلل هيكلي، وأن أي معالجة لا تنطلق من تفكيك شبكات المصالح وتفعيل الرقابة الصارمة تبقى مجرد مسكنات لا تعالج أصل الداء.
​نزول الوزير الأول: مفارقة الرمزية وتراجع المؤسسات
​تأتي الجولة الحالية، الموجهة في شق منها لتفقد توسعات منشآت صحية ومرافق خدمية، لتطرح علامة استفهام محورية حول دور رأس السلطة التنفيذية: هل من مهام الوزير الأول أن يتحول إلى "رئيس ورشة" يتابع صب الخرسانة وتركيب التجهيزات؟
​إن تحول كبار مسؤولي الدولة إلى مفتشين ميدانيين يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بفشل الأجهزة الوسيطة؛ من مكاتب دراسات، وقطاعات وصية، وأجهزة رقابية متخصصة. النزول إلى الميدان مطلوب من حيث المبدأ للتواصل مع الواقع وتلمس نبض الشارع، لكنه حين يصبح الأداة الأساسية لضمان إنجاز المشاريع، فإنه يتحول إلى تكريس لمركزية عقيمة تُعطل المؤسسات وتشيع ثقافة "العمل من أجل الزيارة"؛ حيث تُستنفر الطاقات لتجميل الواقع مؤقتاً في انتظار انصراف الموكب.
​نحو دولة الحكامة: ما البديل عن الجولات الموسمية؟
​إن الخروج من دائرة إعادة الإنتاج هذه يقتضي الانتقال من منطق "الأشخاص" إلى منطق "المؤسسات"، وذلك عبر مسارات واضحة:
​تفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش: لا يمكن لأي مشروع أن ينجح دون تمكين المفتشية العامة للدولة ومحكمة الحسابات من صلاحيات حقيقية واستقلالية كاملة، بحيث تصبح تقاريرها ملزمة ومتاحة للنشر، ويترتب عليها أثر قانوني ومحاسبي مباشر.
​إرساء ثنائية الجزاء والمحاسبة: ما لم يُطبق مبدأ العقوبة الرادعة بحق المقاولين المقصرين والمسؤولين المتساهلين، ويُكافأ في المقابل أصحاب الكفاءة والنزاهة، فإن دفاتر الالتزامات ستظل حبراً على ورق. استبعاد الشركات الفاشلة من الصفقات العمومية ومحاكمة المتورطين في هدر المال العام كفيلان بفرض الانضباط أكثر من عشرات الزيارات الميدانية.
​تحرير القرار الإداري من الرهان الاستعراضي: المشاريع التنموية الحقيقية تحتاج إلى تخطيط مالي وهندسي يستشرف متطلبات المستقبل كالصرف الصحي والمناخ، وتخضع لدراسات جدوى اقتصادية دقيقة، بعيداً عن ضغوط الظهور الإعلامي والافتتاحات المتعجلة.
​إن استعادة الثقة بين المواطن والإدارة لا تتحقق بزيارات تفقدية متكررة تترك خلفها الوعود ذاتها والنزيف المالي مستمراً، بل ببناء منظومة حكامة رشيدة تجعل من ترشيد الموارد واحترام دفاتر الالتزامات واجباً لا خياراً، وتضع حداً لحقبة يُقاس فيها الإنجاز بعدد الجولات، لا بمدى جودة المنشآت وكفاءة إنفاق المال العام في خدمة الناس.
محمد المختار محمد لفظيل

إعلانات