الديناميات الجديدة لتسوية نزاع الصحراء في ضوء التقرير الأممي لعام 2026

4. أكتوبر 2026 - 18:45

تقرير تخليلي "مقدمة تنفيذية" :
كشفت الوثيقة السنوية الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة في الأول من أكتوبر 2026، عن حراك دبلوماسي غير مسبوق يهدف إلى طي صفحة الجمود الطويل في نزاع الصحراء الغربية. وتبرز في هذا السياق سلسلة من الجلسات التفاوضية المكثفة التي انطلقت أوائل العام، برعاية مشتركة أممية-أمريكية، وجمعت الأطراف المعنية (المغرب، جبهة البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا). وقد تميزت هذه الجولات بطرح مبادرات هيكلية جديدة، أبرزها مقترحات تتعلق بترسيم الحدود، وتأسيس هيئات انتقالية، إلى جانب بلورة رؤية مغربية محدثة وموسعة لنظام الحكم الذاتي.
​أولاً: المقاربة الموريتانية وهندسة المرحلة الانتقالية
​شهدت جولة المفاوضات التي استضافتها العاصمة الإسبانية مدريد (8-9 فبراير 2026) نقاشات مستفيضة حول آليات الانتقال السلمي. وفي هذا الصدد، تبلورت نقطتان جوهريتان:
​المبادرة الموريتانية لترسيم الحدود: سجلت نواكشوط حضوراً وازناً باقتراحها تشكيل "لجنة توافقية خاصة" تُعنى بتحديد المعالم الحدودية النهائية والدائمة للإقليم بشكل دقيق لا يقبل التأويل، وهو مطلب أصرت الدبلوماسية الموريتانية على تجديده في المشاورات اللاحقة.
​المجلس الانتقالي واتفاق الإطار: تدارست الأطراف فكرة تأسيس "هيئة إدارة انتقالية" لا يقتصر دورها على تسيير المرحلة المؤقتة، بل يمتد لتكون منصة لصياغة تفاصيل الحل النهائي. وقد أثمرت هذه النقاشات عن تكليف خبراء أمميين وأمريكيين بصياغة مسودة "اتفاق إطار" يُنظم قضايا حيوية؛ تشمل التوزيع العادل للثروات، برامج المصالحة الشاملة، نزع السلاح، إعادة الإدماج المجتمعي، فضلاً عن وضع الترتيبات الأمنية والإطار الانتخابي، وتحديد الضمانات الدولية اللازمة للتنفيذ.
​ثانياً: الرؤية المغربية المحدثة للحكم الذاتي
​استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 (الصادر في أكتوبر 2025) الذي رسخ المبادرة المغربية كحجر زاوية للتفاوض، قدمت الرباط صيغة متطورة ومفصلة لمقترحها الأصلي لعام 2007. ورغم إحاطة الوثيقة بالسرية الرسمية، تشير التسريبات الموثوقة إلى مشروع متكامل يقع في حوالي 40 صفحة، يستلهم نظام اللامركزية الإسباني (نظام الأقاليم ذات الحكم الذاتي)، ويقوم على المحددات التالية:
​المؤسسات المحلية: تأسيس هيكل تنفيذي (حكومة محلية)، وبرلمان إقليمي، وجهاز قضائي مستقل، إلى جانب قوة شرطة محلية.
​توزيع الصلاحيات:
​السلطة المركزية: تحتفظ الدولة المغربية بحقها الحصري في السيادة (الدفاع الوطني، الشؤون الخارجية، النظام النقدي، والجنسية).
​السلطة الإقليمية: تُمنح صلاحيات واسعة في إدارة قطاعات التعليم، الصحة، التخطيط العمراني، التنمية الثقافية، والاقتصاد المحلي (بما يشمل الصيد البحري والسياحة)، مع إقرار نظام ضريبي وموارد مالية خاصة بالإقليم.
​الآليات الدستورية والانتقالية: ينص المشروع على أن يتولى العاهل المغربي تعيين رئيس السلطة التنفيذية المحلية بناءً على نتائج الانتخابات البرلمانية الإقليمية. كما يضع خطة شاملة لعودة القاطنين في مخيمات تندوف، وإجراءات التحقق من الهويات، وإقرار عفو عام يمهد للمصالحة. ويُرجح أن يُعرض هذا النظام برمته على استفتاء وطني يشمل كافة الناخبين المغاربة لإكسابه الشرعية الدستورية.
​ثالثاً: محددات الوساطة الأممية والتحديات المستمرة
​حرص المبعوث الأممي، ستافان دي ميستورا، على وضع ضوابط معيارية لتأطير أي اتفاق محتمل، مؤكداً على شقين أساسيين:
​ضرورة ارتقاء خطة الحكم الذاتي لأرقى المعايير الديمقراطية العالمية، مدعومة بضمانات دولية صلبة.
​حتمية إشراك الساكنة المحلية عبر آليات "استشارة حقيقية وفعالة"، بما يحقق مبدأ تقرير المصير ضمن الإطار العملي للحكم الذاتي.
​عقبة الجولة الثالثة:
رغم التقدم المحرز في مدريد، اصطدمت الجولة الثالثة في واشنطن (23-24 فبراير 2026) بالتباينات الكلاسيكية العميقة. فقد عادت مسألتا "السيادة المطلقة" و"آليات تقرير المصير" لتشكلا نقطة خلاف جوهرية، مما ألزم الرعاة الدوليين بتعليق الجلسات المشتركة واللجوء إلى الدبلوماسية المكوكية والمحادثات الثنائية لردم الهوة بين الأطراف.
​خلاصة:
يُظهر التقرير الأممي أن مسار التسوية قد دخل مرحلة تقنية متقدمة تتجاوز العموميات نحو مناقشة تفاصيل المؤسسات، الصلاحيات، والحدود. غير أن الترجمة الفعلية لـ "اتفاق الإطار" تظل رهينة بالقدرة على إيجاد صيغة توافقية توازن بين الطرح السيادي المغربي، والمطالب المتعلقة بتقرير المصير، تحت مظلة ضمانات دولية ملزمة.

إعلانات