ذكريات البكالوريا... دفء زمنٍ لا يعود

1. يوليو 2026 - 14:00

لم تكن البكالوريا في بداية الألفية مجرد امتحان نخوضه، ولا شهادة ننتظرها، بل كانت محطةً تختصر جيلاً كاملاً، جيلاً كتب أحلامه بالصبر قبل أن يكتبها بالحبر، وحمل طموحه في قلبه قبل أن يحمله في حقيبته.

كنا أبناء زمنٍ متصالح مع نفسه؛ لا إنترنت يسرق أوقاتنا، ولا هواتف ذكية تشتت انتباهنا، ولا مظاهر رفاهية نتباهى بها. كانت الحياة بسيطة، لكنها كانت ممتلئة بالمعنى، وكانت الصداقة صادقة، والفرح يأتي من أقل الأشياء.

درسنا على ضوء الشموع، وعلى وهج المصابيح الزيتية قبل أن تصل الكهرباء إلى بيوتنا. جلسنا في الابتدائية على الإسفلت مباشرة، ثم على أغلفة خنشات الأرز، ثم على حصير بسيط، حتى انتهى بنا المطاف إلى الطاولات التي حسبناها يومها قمة الحضارة.

توزعت أيامنا بين الكتاتيب، والمدرسة، وأزقة الحي، نحمل ألواحنا الخشبية، ونردد ما كتب فيها بصوت واحد، ثم تنطلق حناجرنا بالأغاني الشعبية وأناشيد الاستقلال، قبل أن ننتظر مساءً بشغف حلقات "المناهل"، ومغامرات المحقق شارلوك هولمز.

كنا نشتري القمصان البيضاء بثمن زهيد، ثم نصبغها بماء الزعفران، ونخط عليها أسماء وأرقام نجوم البرازيل، لنخوض بها مباريات الشوارع. وكانت المباراة تتوقف احترامًا كلما مرت سيارة، أو عبر شيخٌ مسن، ثم نستأنف اللعب وكأن شيئًا لم يكن.

ثم جاءت الثانوية الوطنية... وجاءت معها أجمل سنوات العمر.

كانت شلتنا الصغيرة مكونة من ثلاثة أصدقاء، تجمعنا الكتب قبل أن تجمعنا المجالس، وتؤنسنا كؤوس الشاي بعد كل فكرةٍ جديدة. كانت المذاكرة تمتزج بأنغام الفن الأصيل ، بينما تستريح الكتب فوق طاولة ديكارت التي كنا نحرص على أن تكون ممسوحة بعناية، وكأن نظافتها جزء من طقوس التفكير.

هناك تعلمنا أن الأدب ليس نصوصًا تحفظ، بل حياة تعاش. وما زالت كلمات أستاذ الأدب عبد الله ولد أحمدو ترن في الذاكرة وهو يودعنا، مستعرضًا خاتمة حديثه عن مسرحية المسعدي:

> "ومن هنا كان أسلوب المسعدي ضاربًا في القدم، مضارعًا للعصر. جاء أدبه طريفًا ممتعًا، جامعًا بين الرواية والمسرحية، وسجع الأصفهاني، ورمزية مالارميه، ولغة القرآن، وبول فاليري،
جمع كل ذلك .. فجاء أدبه يردد مأساة الإنسان في الكون."

أما أستاذ الفلسفة المتميز أحمد ولد باهين، فكان يأخذنا في رحلة لا نشعر ببدايتها ولا نهايتها؛ من الماهية إلى الإبستمولوجيا، ومن المعرفة إلى التاريخ، ومن هيكل إلى أسئلة الوجود، ثم يختتم حديثه بصوته الواثق مرددًا:

> لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا
ولكن لا حياةَ لمن تنادي
ولو نارًا نفختَ بها أضاءتْ
ولكنْ أنتَ تنفخُ في رمادِ

كانت تلك الأبيات تهز القاعة، وتوقظ فينا شيئًا أكبر من الدرس نفسه.

لم تكن الطريق سهلة. كانت الإمكانات محدودة، والمؤسسات التعليمية بعيدة، ووسائل التحصيل شحيحة، وكان بعض الناس ينظر إلينا وكأن الإعادة قدر لا مفر منه، وأننا سنعود مع أفواج العائدين من التجربة الأولى.

لكننا تجاوزنا كل ذلك.

تجاوزناه بالإصرار، وبالدعاء، وبعرق السهر، وبكأس شاي يخفف تعب الليالي، وبأحلام كانت أكبر من ظروفنا.

ثم مضت السنون...

تفرقت بنا السبل، ووزعتنا حقول الحياة ومضارب الزمن. صار لكل واحد منا طريقه، ومسؤولياته. لكن يكفي أن تلوح لك يد صديق من تلك الأيام، أو يرن هاتف باتصال عابر، أو يمر اسم قديم أمام عينيك، حتى تنفتح أبواب الذاكرة دفعة واحدة، وتعود تلك السنوات كأنها كانت بالأمس.

كان ذلك الزمن فقيرًا في الوسائل، لكنه غني بالقلوب. قليل الإمكانات، لكنه عظيم الأحلام. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نملك أنفسنا، ونملك وقتنا، ونملك صداقاتٍ لم تبنها المصالح ولم تهدمها الأيام.

سلامٌ على جيل البكالوريا في مطلع الألفية...

سلامٌ على من درس على ضوء شمعة، وقرأ في لوحٍ خشبي، ولعب الكرة في الشارع، وشرب الشاي بين الكتب، وراجع افكاره على أنغام المغفور لهن ديمي منت آبه و أم كلثوم وهو يطارد حلم النجاح.

وسلامٌ على زمنٍ علّمنا أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يصنع من نفسه، وأن أجمل الذكريات هي تلك التي لم تكن تعرف التكلّف... ولذلك بقيت خالدة في القلب.

ذ/ محمد عالي محمدن ( عدود)

إعلانات